Charbel El Ghawi Sawt El Fan

.

شربل الغاوي صوت الفن

الممثل الذي لا يحتمل النقد… لا يستحق التصفيق – شربل الغاوي

الممثل الذي لا يحتمل النقد… لا يستحق التصفيق – شربل الغاوي

بعض الممثلين جعلوني أتراجع عن نشر مقالات كتبتها لهم

حين يصبح الممثّل محاميًا لمسلسلٍ خائف

كان الممثّل يومًا يدخل إلى الشاشة وفي داخله خوفٌ نبيل: خوف السقوط أمام عين المشاهد. كان يعرف أنّ الكاميرا لا ترحم، وأنّ الناس ليست ملزمة بأن تحبّه فقط لأنّه مشهور، ولا بأن تصفّق لأنّ الموسيقى ارتفعت في المشهد الأخير. أمّا اليوم، فبعضهم يدخل العمل وكأنّه يدخل معركة عسكرية، لا ليُقنع الناس بموهبته، بل ليُرغمهم على التصفيق، ثمّ يخرج بعد كل حلقة شاهِرًا غضبه في وجه كل من لم يركع للإعجاب.

ما الذي حدث للفنّ حتى صار النقد يُعامل كخيانة؟

في السابق، كان الممثّل يفهم أنّه يضع نفسه طوعًا أمام الناس، وأنّ من حقّ المشاهد أن يحبّ أو يرفض، أن يصفّق أو يسخر، أن يرى الأداء عظيمًا أو باهتًا. أمّا اليوم، فقد تحوّل بعض الممثلين إلى كائنات زجاجيّة، تنهار أعصابها أمام منشور، وتشتعل كرامتها أمام تعليق كتبه مشاهد عادي جلس بعد يومٍ طويل ليقول ببساطة: “لم يعجبني”.

الممثل الذي يهاجم الجمهور… يعترف بسقوط العمل

أيّ هشاشة هذه؟

يريدون جمهورًا يدفع، يشاهد، يرفع نسب المتابعة، يملأ الصفحات بالضجيج… لكن بشرطٍ واحد: أن يكون أبكم. ممنوع أن ينتقد، ممنوع أن يملّ، ممنوع أن يقول إنّ العمل رديء أو الأداء مصطنع أو النصّ فارغ. وإذا تجرّأ أحد على قول الحقيقة، خرجت الجيوش الإلكترونية والمقابلات الغاضبة لتتّهمه بالحقد والغيرة وعدم الفهم.

وكأنّ الفنّ تحوّل إلى ديكتاتورية مشاعر.

والأسوأ، أنّ بعض الممثلين اللبنانيين تحديدًا باتوا يتعاملون مع أيّ رأي سلبي كأنّه إهانة شخصية لكرامتهم، لا ملاحظة على عمل عُرض أصلًا كي يُناقش. يخرج الواحد منهم بعد رمضان، لا ليشكر الناس، بل ليوبّخهم لأنّهم لم يحبّوا ما قدّمه. يهاجم النقّاد، يسخر من المشاهدين، ويشرح في كل مقابلة لماذا “لم يفهم الجمهور العمل”، وكأنّ المشكلة دائمًا في الناس… لا في ما قُدّم لهم.

ومن أكثر الجمل استفزازًا تلك التي يردّدها البعض بتعالٍ فجّ: “الجمهور لم يفهم المسلسل”.

يا لها من جملة متغطرسة تختصر كل شيء.

كأنّ المشاهد كائن ناقص الإدراك، وكأنّ العمل عبقري إلى درجة أنّ الناس عاجزة عن استيعابه. والحقيقة التي لا يريد البعض مواجهتها أنّ العمل الذي يحتاج عشرات المقابلات لشرح نفسه… هو عمل فشل أصلًا في أن يصل. لأنّ الفنّ الحقيقي يُشعَر به قبل أن يُشرَح، ويصل إلى القلب قبل أن يتحوّل إلى محاضرة دفاعية.

ليس ذنب الجمهور أنّ النصّ كان مرتبكًا، أو أنّ الإيقاع مملّ، أو أنّ الشخصيات كُتبت ببرودة، أو أنّ الأداء جاء مصطنعًا. وليس واجب المشاهد أن يدرس العمل كما لو أنّه يحلّ أطروحة فلسفية حتى يحقّ له إبداء رأيه. الناس تشاهد لتتأثر، لتفهم، لتشعر… لا لتُهان لأنّها لم ترَ “العبقرية” التي يتوهّمها البعض.

يا لغرورٍ يخاف المرآة.

الممثّل الحقيقي لا يقف على باب المسلسل كحرّاس القصور القديمة، يمنع الناس من الكلام. لا يتحوّل إلى محامٍ يصرخ دفاعًا عن مشاهد ضعيفة، ولا إلى موظّف علاقات عامة يبيع الوهم في البرامج. لأنّ العمل القوي لا يحتاج من يترجّى له الإعجاب، والعمل الصادق لا يطلب الحماية من النقد.

النجاح لا يحتاج مكبّر صوت، والفشل لا تُنقذه العصبية.

وحين يبدأ الممثل بإعطاء “جرعات حماس” كلّما شعر أنّ الجمهور ملّ، فهو لا يُنعش العمل… بل يعلن موته المبكر بيده. لأنّ الأعمال العظيمة تعيش وحدها، تمشي بين الناس بلا حرّاس، بينما الأعمال المرتبكة تحتاج يوميًا إلى من يقنع الجمهور أنّها ليست سيئة.

والمؤسف أكثر أنّ بعض الشركات تدفع بالممثل إلى هذه المعارك الرخيصة، فتستعمله كدرع بشري لحماية مسلسل متعثّر. واليوم، يقف الفنان معهم ويهاجم الناس دفاعًا عن مشروعهم، بينما غدًا سيُستبدل بوجهٍ آخر في عملٍ آخر، وتبقى كلماته العدائية وحدها في ذاكرة الصحافي والمشاهد والناقد.

لهذا، هناك ممثلون كبار نزداد احترامًا لهم كلّما صمتوا. يراقبون من بعيد، يتركون الناس تختلف، ويعرفون أنّ الفنّ الحقيقي لا يُفرض بالقوّة، ولا يُنتزع بالصراخ، ولا يعيش عبر المقابلات الغاضبة.

النقد ليس إهانة… بل دليل أنّ الناس ما زالت ترى وتفكّر وتتفاعل. أمّا حين يصل الجمهور إلى مرحلة الصمت الكامل، حين يكفّ عن الكتابة والاعتراض وحتى السخرية، فاعلموا أنّ الكارثة وقعت فعلًا، وأنّ العمل لم يعد يستحق حتى الغضب.

شربل الغاوي

مخرج وصحافي وناقد سينمائي