
الوحش… مسرحية تختنق داخل عتمتها الخاصة – شربل الغاوي
في “الوحش”، لا يدخل المشاهد إلى مسرحية بقدر ما يُدفع إلى مساحة خانقة من الغضب والانكسار والاختناق النفسي. منذ اللحظة الأولى، تفرض العتمة حضورها الكامل على الخشبة والجمهور معًا، وكأن المسرح يتحول تدريجيًا إلى زنزانة داخلية لشخصيات فقدت قدرتها على النجاة من ماضيها. لا ألوان حقيقية، لا راحة فعلية، فقط توتر متواصل وشخصيتان تتحركان طوال الوقت على حافة الانفجار.
المشهد الأول داخل الحانة كان الأكثر حيوية وتماسكًا. هناك، يظهر داني كرجل يتباهى بعنفه ومشكلاته، كأنه يريد إقناع العالم بأنه “الوحش” الذي لا يخاف شيئًا، قبل أن يبدأ النص تدريجيًا بتعرية هشاشته الداخلية. في هذه المساحة تحديدًا، نجح العرض في خلق توتر نفسي حقيقي، مدعومًا بأداء قوي من دوري السمراني الذي امتلك قدرة واضحة على التنقل بين العصبية والسخرية والفكاهة من دون أن يفقد الشخصية قسوتها.
في المقابل، قدّمت كارول عبود “بيرتا” كامرأة تحمل داخلها خوفًا قديمًا لا يغادرها. كان يكفي مشهد حديثها عن والدها وهو يدخل عليها سكرانًا حتى ينكشف الجرح الحقيقي للشخصية، بعيدًا عن أي افتعال أو استعراض عاطفي مباشر.
ورغم قتامة الأجواء، لم يسقط الجزء الأول في الرتابة. الحوار بقي حيًا، والفكاهة التي تسللت وسط الاختناق النفسي منحت المشاهد لحظات تنفس قصيرة، قبل أن يعود العرض ويشدّه نحو ذروته القاسية، في لحظة أكدت أن “الوحش” ليس لقبًا بقدر ما هو حالة داخلية تلتهم صاحبها ببطء.
لكن مع الانتقال إلى غرفة النوم، تبدّل شيء ما. بصريًا، بدا المسرح أكثر قربًا من الجمهور، وكأن العرض يحاول إزالة الحاجز الأخير بين المتفرج والشخصيات. الديكور حمل دفئًا ظاهريًا، إلا أن البرودة النفسية بقيت أكثر حضورًا من أي شيء آخر.
هنا تحديدًا بدأ النص يفقد شيئًا من سطوته. فبعد بداية مشحونة ومتماسكة، تحوّل الحوار تدريجيًا إلى مساحة أقل توترًا وأكثر اعتيادية، حتى أن المشاهد يشعر أحيانًا بأنه ينسحب ذهنيًا من العرض من دون أن ينتبه. ليست المشكلة في البطء وحده، بل في أن الاستنزاف يصبح حقيقيًا على المتفرج نفسه، وكأن المسرحية، بقصد أو من دونه، تضعه داخل الحالة النفسية ذاتها التي تعيشها شخصياتها. وربما هنا تكمن قوتها وضعفها في آنٍ معًا.
ورغم ذلك، بقي أداء كارول عبود ودوري السمراني متماسكًا حتى النهاية. العلاقة بين الشخصيتين انتقلت تدريجيًا من الصدام والعنف إلى نوع من الاحتياج العاطفي المرتبك، فيما بدا “الوحش” في نهايته أقل افتراسًا وأكثر خوفًا من وحدته الخاصة، وكأن الزواج لم يعد حبًا بقدر ما أصبح محاولة أخيرة للنجاة.
وفي حين أن النص الأصلي يترك النهاية معلّقة على قسوتها، اختارت النسخة اللبنانية أن تمنح العرض لحظة أخف وطأة، نهاية لا تُبدد العتمة بالكامل، لكنها تسمح بمرور خيط ضوء صغير وسط هذا الخراب النفسي الطويل.
شربل الغاوي
مخرج وصحافي وناقد سينمائي