Charbel El Ghawi Sawt El Fan

.

شربل الغاوي صوت الفن

ندى أبو فرحات… ممثلة قيّدتها الشاشة وحرّرها المسرح – شربل الغاوي

ندى أبو فرحات… ممثلة قيّدتها الشاشة وحرّرها المسرح – شربل الغاوي

هل ظلمت السينما والتلفزيون موهبة ندى أبو فرحات؟

أخطر ما تفعله الدراما بالممثل، أنها تقنعه مع الوقت أن عليه أن يبقى النسخة نفسها كي ينجو. نفس الوجه، نفس النبرة، نفس الانفعالات، كأن الموهبة الحقيقية أصبحت شيئًا يجب تقييده لا إطلاقه. ولهذا، حين يخرج ممثل فجأة من القالب الذي حُبس فيه لسنوات، لا نشعر أننا أمام شخص جديد، بل أمام الحقيقة التي كانت مخنوقة طوال الوقت.

ندى أبو فرحات أثبتت أن المشكلة ليست يومًا في الممثل، بل في العيون التي تنظر إليه بخوف. وفي حنّة ظهرت بصورة مختلفة تمامًا، بعيدة عن الإيقاع المعتاد الذي حاصرتها فيه بعض الأعمال السينمائية والتلفزيونية. أداؤها كان أكثر تمرّدًا، أكثر حرية، وأكثر التصاقًا بالإنسان لا بالشكل. لم تبدُ كممثلة تؤدي دورًا، بل كشخصية تتنفّس وتخاف وتناور وتسخر من وجعها كي تبقى حيّة.

هناك فنانون يملكون عشرات الوجوه الفنية، لكن الصناعة تختار وجهًا واحدًا وتحبسه داخله حتى يبهت. وما إن تُمنح لهم مساحة مختلفة، حتى يظهر الحجم الحقيقي لموهبتهم، ويصبح السؤال مؤلمًا: لماذا تم إخفاء كل هذا كل هذه السنوات؟

ما يحدث في كثير من الأعمال ليس إدارة للمواهب، بل تدجين لها. كأن المطلوب من الممثل أن يبقى مألوفًا، مطمئنًا، بلا مفاجآت. وإذا نجح يومًا في شخصية معينة، يتحوّل نجاحه إلى قفص يُغلق عليه. فيُعاد تدويره في الدور نفسه حتى يفقد بريقه، لا لأنه انتهى، بل لأن أحدًا لم يجرؤ على تحريره من الصورة التي التصقت به.

هناك خوف جبان داخل الدراما من التغيير. المنتج يخاف من المجازفة، المخرج يخاف من كسر المتوقع، والكاتب أحيانًا يكتب الشخصيات كأنها نسخ مكررة من أرشيف قديم. والضحية دائمًا هي الموهبة. لأن الممثل الحقيقي لا يُقاس بقدرته على تكرار نفسه، بل بقدرته على التحوّل.

ندى أبو فرحات ذكّرت الناس بشيء مهم جدًا: الممثل ليس وجهًا محفوظًا، بل طاقة يمكن أن تنفجر بأشكال لا يتوقعها أحد إذا وُجد من يؤمن به فعلًا. والمشكلة أن كثيرًا من الفنانين لا ينقصهم الإبداع، بل تنقصهم الجرأة التي تسمح لهم بالخروج من السجن الفني الذي وُضعوا فيه منذ سنوات.

الموهبة لا تموت فجأة، بل تُقتل تدريجيًا حين يُطلب منها أن تعيد نفسها كل مرة، وكأن الفن ليس اكتشافًا… بل استنساخ لا ينتهي.

شربل الغاوي

مخرج وصحافي وناقد سينمائي