Charbel El Ghawi Sawt El Fan

.

شربل الغاوي صوت الفن

حنّة… مسرحية تضحك على وجع لا يضحك – شربل الغاوي

حنّة… مسرحية تضحك على وجع لا يضحك – شربل الغاوي

مسرحية حنّة لا تدخل إلى المسرح كي تستعرض عضلاتها الفكرية أو تتكئ على التعقيد، بل تأتي وهي تعرف تمامًا ما تريد قوله. وهذا الوعي بحدود الفكرة وقوتها معًا هو ما منح العمل تماسكه الحقيقي. فالمسرحية لا تفتح أبوابًا كثيرة، ولا تتوه في الحكايات الجانبية، بل تتقدّم بخط واضح نحو سؤال اجتماعي موجع: ماذا يفعل الفقير حين يصبح المرض رفاهية لا يملك ثمنها؟

منذ اللحظة الأولى، يضع إيلي كمال المتفرّج داخل عالم يبدو بسيطًا في شكله، لكنه مشحون بالدلالات. المستشفى هنا ليس مجرد مكان للأحداث، بل صورة مصغّرة عن مجتمع كامل تُقاس فيه قيمة الإنسان بقدرته على الدفع. لذلك بدا الديكور قائمًا على الاختزال الذكي لا على الوفرة. بضعة عناصر فقط: سرير، كرسي، كرسي حمّام، ولوحات مضيئة معلّقة تحمل كلمات مثل باب الحمّام، خزانة، باب المدخل، صليب أو صورة قديس. لكنها لم تكن مجرد إشارات مكانية، بل تحوّلت إلى لغة بصرية ساخرة، كأن المسرحية تعلن منذ البداية أن الإنسان داخل هذا المكان لم يعد يرى العالم، بل اللافتات التي تنظّمه وتراقبه وتحاصره.

هذا الاقتصاد في السينوغرافيا منح الخشبة اتساعًا داخليًا. الفراغ لم يكن نقصًا، بل مقصودًا، لأن المسرحية أرادت أن تترك للممثلين مساحة السيطرة الكاملة على الإيقاع والحضور. حتى الإضاءة لعبت دورًا يتجاوز التجميل البصري، فالتبدلات اللونية بين العتمة والضوء الأحمر والظلال الثقيلة صنعت مزاجًا يتأرجح بين الكوميديا والاختناق. هناك ضحك في القاعة، لكن خلف الضحك شعور دائم بأن شيئًا ما مكسور في هذا العالم.

ندى أبو فرحات في دور حنّة قدّمت الشخصية بذكاء شديد، لأن الدور كان يمكن أن يسقط بسهولة في الأداء الكاريكاتوري، لكنها جعلته قائمًا على التوازن بين الخفة والألم. امرأة تدّعي فقدان الذاكرة كي تهرب من فاتورة مستشفى؛ فكرة تبدو كوميدية في ظاهرها، لكنها في عمقها مأساة اجتماعية كاملة. لم تلعب الشخصية بوصفها محتالَة، بل بوصفها إنسانة دفعتها الحياة إلى اختراع كذبة كي تحمي نفسها من قسوة أكبر منها.

أما سلمى شلبي بدور الراهبة ماري إيزابيل، فكانت من أكثر عناصر العمل فرادة. الشخصية ليست مجرد رئيسة ممرضات، بل صورة عن السلطة حين تتحوّل إلى نظام صارم يراقب كل شيء. حضورها على الخشبة خلق نوعًا من الكوميديا القائمة على الجدية نفسها. كلما ازدادت صرامتها، ازداد المشهد طرافة. حتى لحظة تخديرها لم تُقدَّم بوصفها حدثًا بوليسيًا، بل كأنها تمرّد صغير داخل عالم فقد منطقه الإنساني.

كريم شبلي بدور المعاون خالد كان ممسكًا بإيقاع العرض بحيوية واضحة. الشخصية ليست محققًا بالمعنى التقليدي، بل رجل يركض خلف الحقيقة داخل فوضى من الأكاذيب الصغيرة. محاولاته للكلام بلغات مختلفة كي يفهم المريضة صنعت واحدة من أكثر أفكار المسرحية ذكاءً، لأنها تكشف عبثية المشهد كله: الجميع يحاول التواصل، لكن أحدًا لا يسمع الآخر فعلًا. أداؤه الجسدي وحضوره المتحرك على الخشبة منحا العمل طاقة مستمرة ومنعا الإيقاع من السقوط في التكرار.

جويس أبو جودة بدور الممرضة سمر حملت الجانب الإنساني في النص. وجودها لم يكن ثانويًا، بل ضرورة درامية، لأنها مثّلت الرحمة داخل مكان تحكمه القوانين والفواتير. تعاطفها مع حنّة جعل المسرحية أكثر توازنًا، لأن النص لم يهاجم الأفراد بقدر ما هاجم منظومة كاملة تدفع الجميع إلى التوحش أو الخوف أو الكذب.

أجمل ما في حنّة أنها لم تحاول أن تكون أكبر من نفسها. لم تتظاهر بالعمق، ولم تتكئ على الخطب المباشرة، ولم تحوّل رسالتها إلى شعارات. كل شيء فيها قائم على البساطة الذكية: كوميديا خفيفة، شخصيات واضحة، وموقف إنساني قادر وحده على حمل العرض. وهذا النوع من الأعمال صعب أكثر مما يبدو، لأن الوصول إلى الجمهور من دون استعراض يحتاج إلى صدق حقيقي.

حتى الكوميديا هنا لم تكن مصنوعة من النكات الجاهزة، بل من الموقف نفسه. من خوف امرأة من الفاتورة أكثر من خوفها من المرض. من معاون يحاول فكّ لغز لا يحتاج إلى تحقيق بل إلى رحمة. من مستشفى يبدو كأنه آلة إدارية ضخمة تبتلع البشر بهدوء بارد.

وفي النهاية، تنجح حنّة لأنها لا تغادر المتفرّج فور انتهاء العرض. تترك داخله سؤالًا صغيرًا لكنه قاسٍ: إلى أي حد يمكن للإنسان أن يضطر إلى الكذب كي يحصل على حقه الطبيعي في العلاج؟ هنا تحديدًا تتجاوز المسرحية حدود الكوميديا، وتصبح مرآة ساخرة لواقع يعرفه الجميع ويحاول الجميع الهروب منه.

شربل الغاوي

مخرج وصحافي وناقد سينمائي