
مسلسل الزيارة : عمل يتكئ على الحقيقة ليبرر فراغه – شربل الغاوي
مسلسل الزيارة لا يثير الجدل لأنه عمل رعب فقط، بل لأنه يحاول أن يقف في منطقة رمادية بين الإيمان الشعبي والخيال الدرامي، ثم يتعثر في الاثنين معًا. هنا تبدأ المشكلة الحقيقية: ليس في فكرة الشر أو الأرواح أو التحولات القاسية التي قد تقلب حياة إنسان رأسًا على عقب، فهذه أمور يؤمن بها كثيرون، بل وشهدوا انعكاساتها في الواقع، بل في الطريقة التي قرر بها العمل أن يفرض تصورًا واحدًا ومبسّطًا لهذه العوالم، وكأن “اللعنة” نظام ميكانيكي ينتقل من شخص إلى آخر ببرود، لا كحالة إنسانية أو روحية معقّدة.
العمل ينطلق من فرضية تبدو في ظاهرها قريبة من قناعات بعض الناس: الخير موجود كما الشر، وكذلك الأرواح. لكن المسلسل لا يكتفي بذلك، بل يختزل هذا العالم الغامض في سردية جاهزة، مبالغ فيها، ومفروضة على المشاهد دون بناء حقيقي. هنا يسقط العمل في فخ السذاجة: بدل أن يترك مساحة للتساؤل أو الرعب النفسي، يقدّم “نظام لعنة” أقرب إلى لعبة، لا إلى مأساة.
أما على مستوى التصريحات، فالمشكلة لا تقل حدّة. حين يقول المنتج إن اختيار الممثلين كان دقيقًا، فإن الشاشة نفسها تنقض هذا الادعاء. شخصية “يوسف”، زوج “كلير” التي تؤديها تقلا شمعون، تبدو مهزوزة، غير متمكنة، وتكاد تنهار أمام حضور ممثلة مخضرمة تعرف تمامًا كيف تملأ الكادر. الفارق ليس بسيطًا، بل فجوة واضحة تضعف التوازن الدرامي، وتُخرج المشاهد من الحالة التي يفترض أن يعيشها.
ثم يأتي التصريح الأكثر إثارة للاستغراب: استقدام فريق أجنبي بحجة عدم وجود مخرج أو مدير تصوير عربي قادر على تنفيذ عمل رعب بهذا المستوى. هذا ليس مجرد خيار إنتاجي، بل موقف يحمل في طيّاته تقليلًا واضحًا من قيمة صنّاع محليين أثبتوا، في أعمال عديدة، قدرتهم على الابتكار والتجديد. المشكلة هنا ليست في الاستعانة بخبرات خارجية، بل في تبريرها بطريقة تنتقص من بيئة كاملة.
والأغرب أن هذا التبرير ينهار أمام النتيجة النهائية. نعم، الصورة جميلة، والكادرات مدروسة، لكن ما قيل عن “الإيفيهات” التي لا يستطيع أحد تنفيذها يبدو مبالغًا فيه إلى حد السخرية. المؤثرات البصرية، من الدخنة السوداء التي تمثل اللعنة إلى مشهد الحريق، تبدو بدائية، أقرب إلى مواد جاهزة يمكن سحبها من الإنترنت، لا إلى عمل يفترض أنه إنتاج حديث. في لحظات كثيرة، يشعر المشاهد أنه أمام عمل من تسعينات القرن الماضي، لا من عام ٢٠٢٢.
دراميًا، يقع المسلسل في خطأ شائع في أعمال الرعب: الإفراط في الغموض منذ اللحظة الأولى. الحلقة الأولى تقدّم وجوهًا مشبعة بالريبة، كأن كل شخصية تحمل سرًا مظلمًا، ما يقتل عنصر التدرّج. في الرعب الحقيقي، يبدأ العادي ثم يتسلل الغريب. هنا، كل شيء غريب منذ البداية، فلا يعود هناك ما يُكتشف.
أما الحلقة الثامنة، فهي ربما النقطة الأكثر إرباكًا. بدل أن تعمّق الغموض، تحوّل العمل إلى ما يشبه الوثائقي، وكأن المسلسل فجأة قرر أن يبرر نفسه بدل أن يروي قصته. هذه الحلقة لا تضيف، بل تكشف ضعف الثقة بالعمل نفسه. فلو كان السرد قويًا بما يكفي، لما احتاج إلى حلقة تشرح وتؤكد وتقول للمشاهد: “هذا حقيقي”. الأعمال التي تقنع لا تحتاج أن تُقنعنا بأنها حقيقية، هي ببساطة تكون كذلك في إحساسنا.
ورغم كل ذلك، لا يمكن إنكار أن هناك لحظات مضيئة. بعض الممثلين قدّموا أداءً قويًا، واستطاعوا خلق حضور فعلي داخل المشهد، كما أن الجو العام من حيث الإضاءة والموسيقى نجح أحيانًا في بناء حالة مشوقة. لكن هذه الإيجابيات تبدو كجزر معزولة داخل عمل لم ينجح في توحيد عناصره.
في المحصلة، “الزيارة” هو عمل طموح في فكرته، لكنه متعثر في تنفيذه، ومربك في خطابه. أراد أن يكون واقعيًا وخارقًا في آن، ففقد توازنه بين الاثنين. أراد أن يقنعنا بالحقيقة، فوقع في فخ المبالغة. وأراد أن يرفع سقف الرعب العربي، فوجد نفسه يعيد إنتاج أدوات قديمة، بصيغة تبدو أحدث مما هي عليه. النتيجة ليست فشلًا كاملًا، لكنها بالتأكيد ليست النجاح الذي حاول أن يعلن عنه.
شربل الغاوي
مخرج وصحافي وناقد سينمائي