Charbel El Ghawi Sawt El Fan

.

شربل الغاوي صوت الفن

ملكة السيّد… أنوثة النغم وقوّة الطرب – شربل الغاوي

ملكة السيّد

ملكة السيّد… أنوثة النغم وقوّة الطرب – شربل الغاوي

ثمّة أصواتٌ تولد لتُبهِر، وأصواتٌ تُخلق لتُطمئن، وصوتٌ ثالث نادر يجمع بين البهاء والسكينة في آنٍ واحد؛ هذا هو صوت ملكة السيّد. لا يقتحم الأذن اقتحامًا، بل يدقّ على باب القلب برهافة من يعرف أن الموسيقى ليست صراخًا في الهواء، بل حكايةٌ تُروى بنَفَسٍ طويل وضميرٍ يقظ. في حضورها تنطفئ حاجة الاستعراض: يكفي أن تبدأ الجملة الأولى حتّى يتبدّد الضجيج من حولك، ويستقيم ميزان السمع على مقامٍ من الصفاء.

خامةٌ ذات قماشةٍ شرقيّة

خامة ملكة السيّد دافئة الملمس، محكوكةٌ بعطر المقامات العربية. في القرار تملك رسوخًا رصينًا يذكّر بجذور الجبل، وفي الجواب صفاءٌ يرقى بلا ارتعاش. تَعبُر بين الدرجات كما تعبر يد العازف على الأوتار: ضغطٌ محسوبٌ يوقظ الرنين، ثم ارتخاءٌ ممهورٌ بالثقة. ليس في صوتها خشونة تُعاند الأذن، ولا نعومةٌ رخوة تبتلع المعنى؛ إنّه توازنٌ نادر بين المتانة والطراوة، بين القوة والأسلوب.

تقنية الأداء… اقتصاد العُرب وذكاء التوقيت

لا تُسرف في العُرب كمن يوزّع المجوهرات بلا ميزان، ولا تُمسكها شحًّا. تُنصت إلى الكلمة قبل أن تُلبسها الزينة، وتمنح المعنى صدرَ المسرح. نفسُها طويلٌ لا يَستعرض نفسه، وإدارةُ الجملة عندها فنٌّ قائم بذاته: تحسن الوقف قبل الذروة لتضاعف أثرها، وتعرف متى تُرسل الصوت من الصدر، ومتى تُشفّفه على الحافة كي يلمع. في انتقالاتها داخل الجملة عنايةٌ إيقاعيّة دقيقة؛ فالموسيقى عندها ليست نقرًا منتظمًا بقدر ما هي نبضٌ يقترب ويبتعد وفقًا لتقلّبات المعنى.

مخارج الحروف… لغةٌ تُغنّي

يُصغي السامع إلى لفظٍ منقّحٍ يوقّر العربية دون تصلّب. تُفصح، ولكن بإحساسٍ يذيب حدّة الفصاحة في حرارة التعبير. الهمس عندها ليس ضعفًا بل أداة، والتفخيم ليس استعراضًا بل ضرورةٌ حين يعلو المقام ويتّسع. لذلك لا تضيع الكلمات في بريق النغم؛ تبقى العبارة مفهومة، وتبقى الحكاية ممسكةً بخيطها من مطلع المذهب إلى خاتمة القفلة.

حضورٌ مسرحيّ يكتفي بالإشارة

على الخشبة، لا تحتاج إلى حركةٍ زائدة كي تملأ الفضاء. إماءةٌ صغيرة باليد تكفي لإتمام المعنى، والتفاتةٌ مقتصدة تُحرّك خلفها صفوفًا من النوستالجيا. تتعامل مع الصمت كجزءٍ من الموسيقى، تترك مسافةً مدروسةً بين الجمل، فتبدو الأغنية كأنها تُكتب من جديد أمام الجمهور. هذه الاقتصاديات الدقيقة في الجسد والنظر تمنح الغناء عندها قيمةً إضافيّة: حضورٌ لا يزاحم الصوت بل يفسح له الطريق.

في مرآة الكبار… امتحان الروح قبل الحنجرة

تغترف ملكة السيّد من ينابيع الذاكرة العربية: أمّ كلثوم في سموّها، وديع الصافي في جبروت الشجن، بليغ حمدي في إيقاعه اللعوب، رياض السنباطي في افتتانِه بالبناء المتين، ومحمد عبد المطلب في عذوبة الخفة حين تتزيّن بالوقار. هذه الأسماء ليست واجهةً تُعلَّق على برنامجٍ غنائي، بل معايير. والوقوف أمامها يحتاج إلى أخلاقٍ في الاختيار قبل المهارة في الأداء. وملكة تعرف كيف تُحيّي الأصل من دون أن تقع في فخّ التقليد؛ تكرّم الروح وتُضيف إليها توقيعها الخاص، كأنّها تضع وردةً جديدة على شجرةٍ ضاربة الجذور.

الريبرتوار… ذائقة تُنقّي وتَبني

ما تختاره من أغنيات يكشف مشروعًا واضحًا: إعادة الاعتبار للجملة الطربيّة الرشيقة، وإحياء اللون اللبناني والعربي بضبطٍ إيقاعيّ يراعي أذن اليوم من غير أن يجرح وفاء الأمس. تميل إلى المقامات التي تتيح لها حوارًا واسعًا مع العاطفة (نهوند، حجاز، بيات)، وتطوّعها بميزانٍ يبتعد عن الميلودراما الفائضة، ويقترب من الصدق الصافي. لذلك يخرج الجمهور وهو يشعر بأنّه سمع جديدًا مألوفًا في آنٍ واحد؛ نكهةٌ حديثة على وصفةٍ أصيلة.

يدها على العود… امتداد الروح

ليست ملكة السيّد أسيرةً لصوتها وحده؛ فالعود بين يديها يُصبح امتدادًا طبيعيًا لذلك النفس الغنائي. تُداعب أوتاره برهافةٍ تجعل العزف مرآةً للصوت، وتحوّل الغناء إلى حوارٍ مزدوج: صوتٌ يروي، ووترٌ يُجيب. عزفها ليس مكمّلًا بل رفيقًا، يضبط الإيقاع الداخلي للأغنية ويمنحها دفئًا آخر. كأنّها تقول إن المطرب الحقّ لا يكتفي بأن يُغنّي فوق الموسيقى، بل يشارك في صنعها بيديه وروحه.

حوارها مع الفرقة… يدٌ تُشير فتنتظم البوصلة

تُمسك بخيوط الحوار مع العازفين بإيماءاتٍ خفيّة: رفّةُ يدٍ عند انعطاف الإيقاع، نظرةٌ سريعة حين تُريد مساحةً إضافيةً للقفلة، إيماءةٌ ممتنّة حين يكتمل عزف السولو. هذه الشراكة تجعل الأغنية جسدًا واحدًا لا مجموعةَ جزرٍ منفصلة، وتمنح المستمع إحساسًا نادرًا بأنّ كلّ من على الخشبة يكتب السطر ذاته، وإن اختلفت الأقلام.

هوية فنيّة… أصالةٌ تتقدّم بلا أحجارٍ على الطريق

لا تُصادم الحداثة باسم التراث، ولا تُضحّي بالتراث على مذبح الحداثة. تتقدّم بهدوءٍ يشبه ثقة من يعرف طريقه: تُحافظ على القيم الجمالية التي رسّخها الكبار من حيث احترامُ المقام وبناءُ الجملة والصدقُ الأدائي، ثم تضيف نبضًا معاصرًا في التوزيع والسرعة والزخارف. هكذا تنجو من سطحية النوستالجيا، وتنجو كذلك من فوضى التجريب؛ تقيم بين الضفتين جسرًا تُعبره الأذن مطمئنّةً إلى أن الطرب قادرٌ على أن يكون ابنَ زمنه من دون أن يكفّ عن أبوّته.

السامع شريكٌ لا متفرّج

في حفلاتها، لا تُقدَّم الأغنية كبطاقةٍ جاهزة، بل كتجربةٍ مشتركة. تُصعد الجمهور معها درجةً درجة، وتترك له متّسعًا ليتنفّس على شرفة الذكرى. تتعامل مع التفاعل كجملةٍ موسيقيّة يجب أن تُصاغ: تصمتُ قليلًا ليكتمل التصفيق، ثم تعود لتشدّ الخيط من موضعه، فتستأنف الحكاية كأن شيئًا لم يتخلّلها سوى استراحةٍ نابضة بالرضا.

ملامح الطريق المقبل

ما يلوح في أفق ملكة السيّد ليس مجرّد استمرارٍ في الغناء، بل بناءُ مشروعٍ طربيّ له لغتُه الخاصة: صوتٌ مرجعيّ في خامته، متقنٌ في تقنيته، رحيمٌ بمعناه، ومخلصٌ لمدرسةٍ تعلّم أن الفنّ الكبير لا يتعالى على الناس بل يقترب منهم. ومع كل ظهور، تُثبّت حجَرًا جديدًا في هذا البناء: مرّةً عبر اختيارٍ أدقّ، ومرّةً عبر جرأةٍ محسوبة في التنويع، ومرّاتٍ كثيرة عبر ذلك الصفاء الداخلي الذي يغلّف أداءها ويقيه من شوائب العجلة والادّعاء.

خاتمة… وعدُ صوتٍ لا يستهلكه الزمن

ملكة السيّد ليست أثرًا عابرًا على الموجة، بل نبرةٌ تحمل صبراً على الصنعة، وإيمانًا بأن الوجد لا يُصنع في معامل الصوت بل في القلب. في خامتها تتجاور أناقةُ المدرسة مع دفء التجربة، وفي أدائها يتصالح الانضباط مع الحرية. لذلك حين تنتهي الأغنية لا ينطفئ الصوت؛ يبقى كخطّ نورٍ رقيقٍ يواصل السير في الداخل، كأنّه يعيد ترتيب الفوضى على مهل.

من هذه الخامة، ومن هذا الوعي، يولد الوعد: أن يظلّ الطرب بيتًا لنا، وأن تبقى ملكة السيّد إحدى مفاتيحه الهادئة التي تفتح الأبواب بلا ضجيج.

شربل الغاوي

مخرج – صحافي وناقد سينمائي

Leave a comment