
بالسابع… جو الخوري يوقظ الحياة من داخل الرحم على خشبة المسرح
من رحم الخيال خرجت “بالسابع”، ومن رحم النصّ وُلدت مسرحية لا تُشبه سواها، تأليفًا وتمثيلًا جو الخوري، وإخراجًا ميراي بانوسيان. عمل مسرحيّ يُشبه طلقةً ضائعة في ليل الضمير، تهزّ الوجدان وتوقظ الأسئلة من سباتها العميق.
هنا، لا نرى شخصيات مألوفة، ولا نعيش وقائع معتادة، بل نجد أنفسنا في أحشاء امرأة، في عالمٍ يتشكّل فيه الكائن قبل أن يُكمل تكوينه، ونتابع، بدهشة وخوف، صوت الجنين وهو يحاور الحياة، يستكشف مصيره، ويعلّق على واقعٍ لم يُولد فيه بعد.
جو الخوري، في نصّه وأدائه، ليس مجرّد ممثّل… بل فكرة تتجسّد، وسؤال يتكسّر على حافة رحم، وصرخةٌ مكتومة تنقلب ضحكة، ثم تنهار دمعة. ينتقل بسلاسة بين نبرة الهزل وجدّية الطرح، فتضحك بصدق، ثم تبكي من حيث لا تدري… لا لأنّ الحدث تغيّر، بل لأنّ الزاوية التي نُظر منها تبدّلت.
الديكور، وإن بدا بسيطًا، حمل رمزًا مركّبًا وعميقًا: شريط إضاءة واحد يتلوّى كالأمعاء، يُجسّد الأحشاء كما يراها الجنين أو يتخيّلها المتلقّي. يتحرّك الشريط بإضاءة متنقّلة تُحاكي مرور الطعام داخل الجسد، وكأننا نعيش مع الجنين لحظة بلحظة تفاصيله الحسيّة. تقابله ستائر بيضاء تُضيء بإضاءة معاكسة، تمثّل صوت الحلم، صدى الأفكار، وتردّدات الأسئلة المعلّقة في عتمة الرحم. وفي نهايته، يتّصل الشريط ببطن الجنين كمحاكاة بصرية للحبل السُري، ذاك الرابط الذي يمدّه بالحياة من جهة، ويشدّه إلى عالمٍ لم يولد فيه بعد، من جهة أخرى — بين الرغبة في الحياة، والخوف منها.
في لحظة ما، لا تعود قادرًا على التمييز بين الواقع والخيال. الأصوات، والمؤثّرات، والإضاءة تتابع القصة كأنّها قلبٌ ينبض من الخارج، بينما العقل يتخبّط في الداخل… كلّ شيء مسموع، محسوس، موجِع. تبدأ المسرحية من لحظة خلق الجنين، لتصوّر العذاب النفسي الذي يسبق الحياة، وتطرح السؤال الأعقد: هل نحن من نختار أن نولد؟
ما يبدو في الظاهر فكرة غريبة، يتحوّل تدريجيًا إلى حقيقة مسرحية عادية بقدر ما هي مرعبة، مألوفة بقدر ما هي غير مطروقة.
في شخصية واحدة، قدّم جو الخوري شخصيات عدّة، كلّها تقليدٌ لشخصيات نعرفها في مجتمعنا، من أمٍّ متعبة، إلى أبٍ غائب، إلى مجتمعٍ يصرخ بألف صوت ولا يسمع أحدًا. شخصية الجنين تتأرجح بين العبث والسخرية، بين المزاجية والنضج، بين رفض الولادة والبحث عنها.
تُضيء المسرحية على مواضيع شائكة: العنف الأسري، وخسارة الحياة. لكنّها لا تفعل ذلك من منبر الوعظ، بل من داخل الحكاية، من رحم المرأة، من جسدٍ يحتضن كائنًا لم يولد بعد، لكنّه يحمل الوعي الكامل بمآسي الخارج.
النصّ مدهش في تكامله، كأنّه كُتب بعد استماعٍ طويل لقصص أمهاتٍ حبلن، ومجتمعاتٍ حملنها بصمتٍ وألم. تبدو المسرحية نتيجة استقراءٍ دقيقٍ للوجع المجتمعي، نُسج بخيط الخيال، وخُيّط بإبرة الجرأة.
“بالسابع” ليست مسرحية تُعرض لموسمٍ واحد، بل عملٌ يعيش ويتجدّد. من النوع الذي لا يموت، لأنّه من لحم الحياة ونبضها. فيها وجعٌ لا يُشفى، ودهشةٌ لا تنتهي، ورسالةٌ لا تُنسى.
إنها مسرحية تشبهنا حين كنّا فكرة، وتُحاورنا قبل أن نُصبح كائنات. تضعنا وجهًا لوجه أمام السؤال الأبدي: “لو عرفت ما ينتظرني… هل كنتُ اخترت أن أُولد؟”
الناقد السينمائي شربل الغاوي.
Leave a comment