Charbel El Ghawi Sawt El Fan

.

شربل الغاوي صوت الفن

زهير عبد الكريم: الممثل الذي تركنا معلّقين بين الدمع والابتسامة – شربل الغاوي

زهير عبد الكريم: الممثل الذي تركنا معلّقين بين الدمع والابتسامة – شربل الغاوي

في البدء، حين كانت الحكاية تُروى على ضوء قنديلٍ خافت، وتُستعاد من ذاكرة الرواة كما تُستعاد الجراح القديمة من صمتها، لم يكن الفنّ رفاهية، بل كان نجاة. كان الصوت يُولد من رحم الألم، وكانت الوجوه تُشكَّل من مزيجٍ غامضٍ بين الحقيقة والوهم، حتى يغدو الإنسان حكايةً تمشي على قدمين. هناك، في ذلك الزمن الذي لا يُقاس بالسنوات بل بعمق الأثر، وُلدت أسماءٌ لم تأتِ لتُمثّل، بل لتُقيم داخل المعنى ذاته. ومن بين تلك الأسماء، يبرز اسم زهير عبد الكريم، كعلامةٍ لا تُقرأ، بل تُشعَر، وكحضورٍ لا يُفسَّر، بل يُعاش.

لم يكن هذا الاسم يومًا مجرّد إضافة إلى مشهدٍ مزدحم، بل كان بمثابة تحوّل داخلي في مفهوم الأداء نفسه. فحين يظهر، لا يعود السؤال: من هذه الشخصية؟ بل: ماذا سيحدث لنا الآن؟ لأن ما يفعله لا يمرّ عبر العين فقط، بل يعبر إلى منطقة أعمق، حيث تتشكّل ردود الفعل قبل أن نفهم أسبابها.

في أحد تجلّياته، بدا كمن يحمل داخله تاريخًا لا يُروى. رجلٌ لا يصرخ، لكنه يئنّ بصمتٍ يكفي لملء المكان. كانت ملامحه مشبعةً بتجربةٍ لا تُحكى، وعيناه كأنهما نافذتان على ذاكرةٍ مثقلة، كأن فيهما غصّةً لا تزول، مهما حاول أن يخفيها بابتسامة عابرة. لم يكن الحزن لديه لحظةً عابرة، بل حالةً مستمرة، تسكن الجسد كما يسكن التعب الروح بعد معركة طويلة. لم يحتج إلى دموعٍ صريحة، لأن ما في داخله كان أعمق من أن يُختصر بدمعة. كان يترك الألم يتسرّب ببطء، حتى نجد أنفسنا وقد تورّطنا فيه دون أن نشعر.

وقيل عنه إنّه لا يُظهر الوجع… بل يجعلك تكتشفه في نفسك.

ثم، في تحوّلٍ يكاد يكون صادمًا، خرج بصورةٍ أخرى، أكثر تماسُكًا، أكثر صلابة، كأنّه أعاد بناء نفسه من جديد. رجلٌ يعرف كيف يقف، لا لأنه لا يسقط، بل لأنه تعلّم كيف يُخفي سقوطه. صوته لم يكن مجرّد وسيلة، بل كان أداة سيطرة، ونبرته كانت تحمل يقينًا لا يتزعزع. ومع ذلك، لم تكن هذه القوّة مجرّدة من الإحساس، بل كانت مشبعةً به، كأن كلّ صلابة تخفي تحتها هشاشةً لا تُرى، وغصّةً صامتة تُطلّ أحيانًا من بين نظراته. وهنا تحديدًا، كان يُدهشنا بقدرته على أن يجعلنا نضحك… ثم، في اللحظة نفسها، نشعر بشيءٍ ينكسر في الداخل.

وقالوا إنّه يُضحكنا كما لو أنّه يداوي جرحًا… ثم يُبكينا كأنّه يذكّرنا بأن الجرح لم يلتئم.

وفي تجربةٍ أخرى، أكثر غموضًا، أكثر انزلاقًا نحو الداخل، قدّم شخصيةً لا تُمسك بسهولة. رجلٌ يقول شيئًا ويخفي آخر، يبتسم دون أن يفرح، ويصمت دون أن يستسلم. كانت ابتسامته هنا ليست إلا ستارًا شفيفًا، تُرى من خلاله تلك الغصّة التي لا تغيب. كل التفاتة كانت تحمل احتمالًا، كل صمت كان يفتح بابًا. لم يكن يعتمد على النص بقدر ما كان يعتمد على ما بين السطور، على المساحات التي تُترك عمدًا فارغة ليملأها إحساسه.

وقيل إنّه يُتقن ما لا يُقال… أكثر مما يُتقن ما يُقال.

ثم عاد بنا إلى نقطةٍ أكثر إنسانية، أكثر قربًا من جوهر الضعف البشري. هناك، لم يكن رجلًا يُصارع العالم، بل إنسانًا يُصارع نفسه. رأيناه يتردّد، يتعثّر، يبحث، يخاف، ويأمل رغم كل شيء. وفي كل ذلك، كانت عيناه تحملان تلك الغصّة التي تشبه اعترافًا مؤجّلًا. لم يكن الأداء هنا قائمًا على القوّة أو الغموض، بل على الصدق، ذلك الصدق الذي لا يحتاج إلى تزيين، ولا يحتمل المبالغة. كان كمن يخلع كل الأقنعة، ويقف أمامنا كما هو، بكل ما فيه من نقص وكمال.

وقالوا إنّ صدقه لا يُطمئن… لأنه يُشبهنا أكثر مما نريد.

لكن، بين كل تلك الوجوه، يبقى وجهٌ لا يُنسى، كأنه خُلق ليبقى في الذاكرة لا على الشاشة. حين كان أبًا… لا أبًا عاديًا، بل أبًا فقد ما لا يُعوّض. لم يكن فقدانًا عابرًا، بل كان اقتلاعًا للروح من جذورها. هناك، لم يعد التمثيل ممكنًا، لأن ما حدث تجاوز حدود الأداء. كان يمشي كمن يحمل فراغًا داخليًا لا يُملأ، كأن العالم من حوله صار أقلّ وزنًا، أقلّ معنى.

عيناه، في ذلك الدور، لم تكونا حزينة فقط… بل كانتا مكسورتين. نظراته كانت تبحث عمّا لن يعود، وصوته كان يخرج كأنّه يمرّ عبر جرح مفتوح. لم يحتج إلى صراخ، لأن صمته كان أعلى من أي صوت. لم يحتج إلى دموع كثيرة، لأن كل ملامحه كانت تبكي. كان يقف، لكنه في الحقيقة كان يسقط في الداخل، مرارًا وتكرارًا، أمام أعيننا.

وهنا تحديدًا، لم نعد نشاهد ممثلًا… بل شاهدنا إنسانًا فقد روحه، وحاول أن يستمرّ رغم ذلك.

وقيل إنّه في هذا الدور لم يُجسّد الفقد… بل جعله تجربة نعيشها نحن.

ولم يتردّد يومًا في الاقتراب من الشخصيات التي تعيش على الحافة، تلك التي لا تُصنّف بسهولة، ولا تُفهم من النظرة الأولى. شخصيات تحمل داخلها صراعًا أخلاقيًا، لا لأنها تبحث عن الخير أو الشر، بل لأنها ضائعة بينهما. وهناك، في تلك المنطقة الرمادية، أظهر قدرة استثنائية على خلق التوازن، لا من خلال الحكم، بل من خلال الفهم. لم يكن يدين الشخصية، ولا يدافع عنها، بل يضعها أمامنا كما هي، بكل تناقضاتها، بكل ارتباكها، وبكل تلك الغصّة التي تجعلها بشرًا لا رموزًا.

وقيل إنّه يجعلنا نتعاطف مع ما كنا نرفضه… دون أن نشعر بأننا خُنّا قناعاتنا.

إن ما يُميّز هذه الرحلة ليس كثافة الأدوار فحسب، بل عمق الدخول إليها. لم يكن يتعامل مع الشخصية كقالب، بل ككائن حي، له ماضٍ وذاكرة وظلّ. كان يُعيد بناءها من الداخل، لا من الخارج، حتى تصبح أقرب إلى الحقيقة منها إلى التمثيل. ولهذا، لم تكن شخصياته تُنسى بسهولة، لأنها لم تكن مجرّد أدوار، بل كانت تجارب تُزرع داخل المتلقّي، وتبقى تنمو فيه بعد انتهاء المشهد.

وكانوا يقولون إنّه لا يتركك تشاهد… بل يُجبرك أن تشعر، أن تضحك معه، أن تبكي معه، وأن تحمل بعده تلك الغصّة التي لا تفسير لها.

ولعلّ أكثر ما يلفت في حضوره، تلك الجرأة الهادئة، التي لا تُعلن عن نفسها، لكنها حاضرة في كل تفصيل. جرأة أن يكون هشًّا دون خوف، وأن يكون قاسيًا دون ادّعاء، وأن يكون غامضًا دون تعقيد مصطنع. لم يكن يسعى إلى إرضاء، بل إلى صدق، ولم يكن يبحث عن إعجابٍ سريع، بل عن أثرٍ طويل. كان يعرف أن الفن الحقيقي لا يُقاس بالتصفيق، بل بما يتركه بعد أن ينتهي كل شيء.

زهير عبد الكريم ليس ممثلًا يُؤدّي الشخصيات، بل هو مساحة تعبر من خلالها الشخصيات إلى الحياة. هو تلك النقطة التي يلتقي فيها النص بالروح، فيتحوّل الكلام إلى شعور، ويتحوّل الشعور إلى ذاكرة. كل ما قدّمه لم يكن حدثًا عابرًا، بل كان جزءًا من نسيجٍ أكبر، نسيج يُعاد تشكيله مع كل دور، ومع كل نظرة، ومع كل صمت… ومع كل تلك الغصّة التي لا تفارقه، كأنها سرّه الأكبر.

في حضوره، لا تكون الدراما وسيلة للترفيه، بل تصبح مرآة، قاسية أحيانًا، لكنها صادقة دائمًا. مرآة نرى فيها ما نحبّ أن نخفيه، وما نخاف أن نواجهه، وما لا نجرؤ على قوله. وهذا، في جوهره، هو أعلى أشكال الفن: أن يكشفك دون أن يفضحك، وأن يلمسك دون أن يجرحك.

وفي النهاية، لا يبقى من كل هذا إلا ذلك الأثر الصامت، الذي لا يُقال، لكنه يُشعر. ذلك الإحساس بأنك رأيت شيئًا حقيقيًا، شيئًا لا يمكن أن يُصنّع أو يُكرّر. إحساسٌ بأنك لم تكن مجرّد مشاهد، بل كنت شاهدًا على لحظة صدق نادرة… لحظةٍ ضحكت فيها، وبكيت، وشعرت بأن شيئًا في داخلك تغيّر.

وهنا، يعود القنديل الأول، لا كصورةٍ شعرية، بل كحقيقة. ضوءٌ خافت، نعم، لكنه يكفي. يكفي لتُرى الملامح كما هي، بلا زينة، بلا خداع. ويكفي لتفهم أن بعض الأسماء لا تُذكر لأنها معروفة… بل لأنها تسكنك، وتترك فيك تلك الغصّة الجميلة التي لا تزول.

شربل الغاوي

مخرج وصحافي وناقد سينمائي