Charbel El Ghawi Sawt El Fan

.

شربل الغاوي صوت الفن

فيلم Liste de Mariage : حين تقول الكوميديا ما تعجز الحقيقة عن قوله – شربل الغاوي

ريتا حايك و كارلوس عازار

فيلم Liste de Mariage : حين تقول الكوميديا ما تعجز الحقيقة عن قوله – شربل الغاوي

في فيلم Liste de Mariage، لا تُستَخدم الكوميديا بوصفها مهربًا من الأسئلة، بل كعدسة شفافة تكشف هشاشة الواقع الاجتماعي من دون أن تفضحه، وتعرّيه من دون أن تُدينه. النص، الذي كتبه طارق سويد، لا يضحك على الشخصيات، بل يضحك معها، ويجعل من الخفّة وسيلةً لقول ما يصعب قوله مباشرة. هنا، الكذب ليس زلّة أخلاقية بقدر ما هو عرضٌ جانبيّ لواقع مأزوم، تُدار فيه العلاقات بالتحايل اللطيف، وتُحلّ الأزمات عبر العائلة والطقوس، لا عبر المنطق الصافي.

ينطلق الفيلم من فكرة تبدو في ظاهرها بسيطة ومباشرة، لكنها تحمل في جوهرها شحنة إنسانية عالية: لقاءٌ صدفيّ يتحوّل إلى كذبة علنية، ثم إلى عقد تمثيلي، قبل أن ينقلب إلى حقيقة شعورية. جيمي، الغارق في مأزق مالي، يقدّم لانا بوصفها خطيبته أمام حبيبها السابق، فتدخل اللعبة مقابل مبلغ محدد، عشرون ألف دولار، على أن يُستعاد المال عبر “liste de mariage”، حيث يتحوّل الأقارب، من دون أن يدروا، إلى شركاء في الحل. هذه الفكرة ليست مجرد حبكة ذكية، بل قراءة دقيقة لمجتمع يعرف كيف يُجمّل أزماته بطقوس الفرح، ويُخفي العوز خلف مناسبات مبهجة.

اختيار البداية السريعة ليس تفصيلاً شكليًا، بل موقفًا دراميًا واعيًا. الفيلم، بإخراج رنده علم، يرفض الإطالة، ويقفز مباشرة إلى قلب الحدث، وكأنه يقول إن الشرح أقل أهمية من الإحساس. صحيح أن اللقاء الأول بين الشخصيتين يبدو محكومًا بالصدفة المفرطة، وربما يفتقر إلى منطق سببي صارم، لكن السينما هنا لا تطلب التصديق العقلي بقدر ما تطلب التواطؤ الشعوري. في عالمنا، كم من علاقة بدأت بلا مقدّمات، وكم من إحساس سبق العقل؟ من هذا المنطلق، يصبح تسارع الحب ليس خطأً، بل انعكاسًا لواقع نعيشه أكثر مما نحلّله.

لانا، كما تظهر على الشاشة، ليست شخصية تُؤدّى بقدر ما تُستَحضَر. أداء ريتا حايك يخرج من منطقة التمثيل المعلن إلى مساحة الحالة. هناك صدق فادح في حضورها، وشفافية تجعل المتفرّج يشعر أنه لا يرى دورًا بقدر ما يرى امرأة تتنفّس داخل الإطار. كونها حامل أثناء التصوير لا يظهر كتفصيل جسدي، بل كطاقة داخلية، كنعومة مشوبة بالهشاشة، تمنح الشخصية عمقًا إنسانيًا إضافيًا. للمرة الأولى، تُقدَّم ريتا بعيدًا عن أي استعراض، قريبة من ذاتها إلى حدّ الذوبان في الشخصية، فتقنع بلا جهد، وتؤثّر بلا ضغط.

جيمي، في المقابل، ليس بطلاً رومانسياً ولا محتالًا كلاسيكيًا. هو رجل عادي، مكسور قليلًا، يجرّ نياته الحسنة خلف وسائل خاطئة. كارلوس عازار يقدّم هذه الشخصية بوعي كامل لحدودها، فلا يجمّلها ولا يثقلها. ملامحه المريحة للشاشة تساعد على خلق تعاطف فوري، لكن الأهم هو قدرته على الإمساك بالمنطقة الرمادية بين الكوميديا والقلق. مشهد رؤيته للدم مثال واضح على ذكاء الأداء: ضحك نابع من ردّة فعل صادقة، لا من نكتة مصنوعة، ضحك يولد من التناقض لا من التهريج.

الشخصيات الثانوية لا تأتي بوظيفة ملء الفراغ، بل لتوسيع الدلالة. خالة جيمي، أمال، كما قدّمتها سمارة نهرا، ليست مجرد شخصية داعمة، بل بوصلة أخلاقية ناعمة. عفويتها غير المتكلّفة تمنح الفيلم دفئًا، وتُعيد ترتيب التعاطف. حين تنكشف حقيقة المبلغ المالي، يتغيّر وزن الكذبة. العشرون ألف دولار لم تعد رقمًا مرتبطًا بالطمع أو القمار، بل فعل نجاة، محاولة يائسة لإنقاذ جسدٍ أحبّه الجميع. هنا، يتحوّل الكذب من فعل أناني إلى تضحية ناقصة، ويصبح الخطأ أقل قسوة من الحقيقة.

التفاصيل الصغيرة هي ما يمنح الفيلم روحه. سرقة قالب الحلوى من فوق السيارة ليست مشهدًا عابرًا، بل لحظة تُكثّف مناخ الفيلم، حيث العبث اليومي يصبح مادة سردية. ربيع أحمر، في دور داني، يثبت مرة أخرى أن حضوره البصري يسبق الحوار، وأن وجهه قادر على قول ما لا يُقال، لكن ضيق المساحة الدرامية حدّ من إمكانات كان يمكن أن تُستثمر أكثر. مارسيل جبور، رغم صغر الدور، تترك أثرًا هادئًا، وباميلا جرمانوس تمنح شخصية داليا صدقًا عاطفيًا خاليًا من الادّعاء، فتبدو محبّة لا متوسّلة، صادقة لا مُشفِقة.

على مستوى الصورة، لا نجد كاميرا تتباهى بنفسها، بل عينًا تعرف أين تقف. التصوير يخدم السرد، لا يزاحمه، ويترك للمشاهد أن يتنفس داخل الإطار. إخراج رنده علم ينسجم مع النص المكتوب، يلتقط نبرته ولا يفرض عليه إيقاعًا غريبًا عنه. الانتقال بين الكوميديا واللحظات الإنسانية يتم بسلاسة، من دون قفزات فجّة أو عواطف مصطنعة.

في المحصلة، Liste de Mariage ليس فيلمًا يسعى إلى العمق النظري، ولا يدّعي ثقلًا لا يملكه. قوته في صدقه، في بساطته الواعية، وفي فهم كاتبه طارق سويد ومخرجته رنده علم لجمهورهما من دون استخفاف. هو فيلم يعرف أن القصة، حين تكون حقيقية في جوهرها، لا تحتاج إلى شعارات كبرى. يكفي أن تُروى بصدق، وأن تُقال بلا ادّعاء. هنا، حين تكون هناك حكاية فعلية، يصبح كل ما عداها تفصيلاً، وتصبح السينما فعل حياة، لا استعراض مهارة.

شربل الغاوي

مخرج وصحافي وناقد سينمائي