Charbel El Ghawi Sawt El Fan

.

شربل الغاوي صوت الفن

مسرحية خليني خبرك ليه : بين سيطرة الأداء وأزمة السرد – شربل الغاوي

مسرحية خليني خبرك ليه : بين سيطرة الأداء وأزمة السرد – شربل الغاوي

في مسرحية «خلّيني خَبّرَك ليه…»، المستوحاة من المسرحية الفرنسية «زوجتي اسمها موريس» للكاتب رامي شارت، والمكتوبة بقلم فيفيان بلعط وبرونو جعارة، والمخرجة بتوقيع برونو جعارة، لا نقف أمام مجرد اقتباس، بل أمام اختبار حقيقي لفهم نوع مسرحي شديد الحساسية: الفارس الكوميدية. هذا النوع، الذي يبدو للوهلة الأولى خفيفًا ومبنيًا على العبث، هو في الحقيقة من أكثر الأشكال المسرحية صرامة وتعقيدًا من حيث البناء والإيقاع وضبط الزمن.

النص الأصلي لـ«زوجتي اسمها موريس» يقوم على مبدأ أساسي: كذبة واحدة تُغلق على صاحبها كقفص، وكل محاولة للهروب منها تزيدها ضيقًا. لا مكان فيه للتطويل، ولا رحمة للحوار الزائد. كل دخول أو خروج، كل تنكّر، كل سوء فهم، محسوب بدقة رياضية. الضحك لا ينبع من الكلام، بل من اصطدام الأكاذيب ببعضها داخل مساحة خانقة وزمن متسارع. المتفرج لا يُعطى فرصة للتفكير، لأن الحدث يطارده باستمرار.

في «خلّيني خَبّرَك ليه…»، يتم الحفاظ على الهيكل العام نفسه: أنيس متزوج من مارو، يخاف زوجته، تدخل لوريس حياته، فيقنعها بأن تمثل دور الزوجة، فتبدأ لعبة الأقنعة. الخيانة حاضرة، التنكّر حاضر، ارتداء الرجل لملابس امرأة حاضر، حتى فكرة أن «كلو بيصاحب على كلو» تنتمي ظاهريًا إلى مناخ الفارس. لكن ما يختلف جذريًا هو العلاقة مع النص والزمن.

العمل يختار أن يوسّع الفارس بدل أن يضغطها. الحوار يتمدد، الفقرات تطول، والاستطرادات تتكاثر. بدل أن تكون الجملة أداة تفجير، تتحول إلى مساحة استعراض. وبدل أن يكون سوء الفهم نتيجة تصادم الأحداث، يصبح نتيجة شرح مطوّل. هنا يفقد النوع أحد أعمدته الأساسية. الفارس لا تعيش على الإقناع النفسي، لكنها تموت حين تُمنح وقتًا زائدًا. وكلما طال الحوار، كلما بدأ المتفرج يسأل عن المنطق، وهو السؤال الذي يفترض أن يمنعه هذا النوع منذ البداية.

السقوط المنطقي في المسرحية ليس خيارًا جماليًا دائمًا، بل يتحول أحيانًا إلى خلل بنيوي. الشخصيات تنتقل من النفور إلى الإعجاب، ومن التردد إلى الرغبة في الزواج، خلال ثوانٍ، لا لأن الفارس تفرض ذلك، بل لأن النص لا يفرض أي كلفة درامية على التحول. في الفارس الأصلية، كل كذبة لها ثمن، وكل خطوة خاطئة تزيد الفوضى ضغطًا. هنا، الفوضى تُستهلك بسرعة، ثم يعاد تدويرها بالكلام.

الجملة التي قيلت على الخشبة «شردنا عن الموضوع» لا يمكن التعامل معها كنكتة عابرة. إنها توصيف دقيق لبنية العمل. النص يشرد فعلًا، لا لأن الفارس تقتضي ذلك، بل لأن الحوار يُترك من دون وظيفة تصاعدية. وهذا ما يحوّل المسرحية إلى عمل يعتمد على الثرثرة المسرحية أكثر مما يعتمد على الفعل المسرحي.

في هذا الفراغ، يصبح الممثل هو البنية البديلة. فيفيان بلعط، في دور لوريس، لا تؤدي شخصية واحدة، بل تدير حالتين تمثيليتين بوعي: المرأة البسيطة والزوجة المزيفة. أداؤها يقوم على التلوّن، وعلى ضبط دقيق للإيقاع، وعلى فهم واضح لحدود المبالغة. وهي، بوصفها إحدى كاتبات النص، تكشف مفارقة لافتة: الممثلة تفهم الفارس أكثر مما يفرضه النص الذي شاركت في كتابته.

علي منيمنة، في دور أنيس، هو حجر الأساس في العرض. هذا الدور، في الفارس، هو الميزان الذي يختبر نجاح العمل أو سقوطه. منيمنة ينجح في خلق شخصية خائفة، مراوغة، مضحكة من دون أن تكون غبية. حضوره يسمح له بحمل مشاهد طويلة، وبالربط بين لحظات مفككة. حتى في مشاهد التنكّر النسائي، لا ينزلق إلى الكاريكاتور الفج، بل يحافظ على خيط داخلي يجعل الشخصية قائمة بذاتها، لا مجرد أداة للضحك.

غريتا عون، في دور مارو، تظهر كضيفة شرف بدور صغير جدًا، لا يمنح الشخصية وظيفتها الطبيعية في الفارس. فالزوجة، في النص الأصلي، ليست تفصيلًا، بل عنصر تهديد دائم. هنا، يتم تحييد هذا التهديد، فيفقد الصراع أحد محركاته الأساسية.

بولين حداد، في دور جانو، تقدّم أداءً متزنًا ومقنعًا منذ لحظة دخولها. لا تبالغ، ولا تحاول تعويض ضعف النص، بل تلعب دورها بثقة وبساطة، ما يمنح الشخصية صدقية داخل عالم مهتز.

ضياء منصور، في دور رشيد، يقدّم واحدًا من أكثر الأداءات تماسُكًا. تنكّره الأنثوي لا يُستخدم كإفيه، بل كمساحة تمثيلية حقيقية. يتحكم بالجسد، بالصوت، وبالإيقاع، ويحوّل القناع إلى شخصية، لا إلى لباس.

في الخلاصة، «خلّيني خَبّرَك ليه…» لا تخطئ في اختيار النوع، ولا تخون المسرحية الأساسية التي استوحت منها، بل تكاد تعيد إنتاجها شكليًا. لكنها تقع في فخ شائع: الاعتقاد أن الفارس تتحمّل الكلام. هي مسرحية فارسية كوميدية، نعم، لكنها أقل قسوة مما يجب على نفسها. نصها يشرح حيث يجب أن يضغط، ويطيل حيث يجب أن يختصر. ما ينقذها هو الممثلون، لا البناء. عرض يُضحك ويُمتع، لكنه يترك أثرًا نقديًا واضحًا: الفارس ليست لعبة سهلة، ومن لا يُمسك بزمنها، تفضحه بسرعة.

شربل الغاوي

مخرج وصحافي وناقد سينمائي