Charbel El Ghawi Sawt El Fan

.

شربل الغاوي صوت الفن

مسرحية البيت بيتك : ذاكرة معلّقة على خشبة فارغة – شربل الغاوي

مسرحية البيت بيتك : ذاكرة معلّقة على خشبة فارغة – شربل الغاوي

منذ اللحظة الأولى، لا تُغري مسرحية «البيت بيتك» المتفرّج بالدخول إلى عالمها، بل تضعه أمام عرضٍ يفرض حضوره بالقوة لا بالإقناع، بالضجيج لا بالمعنى. عملٌ يرفع صوته لأن فكرته واهنة، ويكثر من الحركة لأن روحه غائبة. هنا لا مسرح يُخاطِب، بل منتج يستعرض نفسه، يعرف كيف يملأ الخشبة، ويجهل تمامًا لماذا يفعل ذلك. مسرحية تملك كل الأدوات التقنية، لكنها تفشل في امتلاك الرؤية، وكلما حاولت أن تقول شيئًا، خانها ما تقوله.

كتابةً وإخراجًا لسامر حنا، يتحرّك العرض بلا عمود فقري، بلا نبض داخلي، بلا تصاعد. مشاهد تتراصف لا تتراكم، تتجاور ولا تتساند. كل مشهد يولد منفصلًا ويموت منفصلًا، كأن المسرحية مجموعة لقطات لا بنية لها، كأنها ترفض، عن قصد أو عن عجز، أن تصبح عملًا واحدًا متماسكًا. لا توتّر يُبنى، ولا ذروة تُحضَّر، بل مسار أفقي باهت، يتقدّم لأن الوقت لم ينتهِ بعد، لا لأن الدراما تتطلّب ذلك.

القصة، في جوهرها، فقيرة حدّ العري: مروان يريد شراء منزل عائلة داليا. منزل يجمع زوجين منفصلين منذ فترة، وتعيدهما الصدفة إلى المكان نفسه. فكرة جاهزة، مستهلكة، تُدرَّس كمثال أولي على إمكان استحضار الذاكرة والحنين والصدام النفسي. لكن المسرحية تفشل، وبلا مواربة، في خلق أي إحساس بالحنين. البيت لا يتنفّس، لا يتذكّر، لا يوجع. لا رائحة للماضي، لا ثقل لسنوات عاشت بين جدرانه. هو مجرد ديكور صامت، مساحة تُقال فيها جمل لا حياة، ولا تُستعاد فيه ذاكرة.

الأسوأ أن العلاقات داخل هذا البيت لا تُبنى بوصفها شبكة واحدة. لا جماعة، لا عائلة، لا إحساس بأن هؤلاء الأشخاص يشتركون في تاريخ أو جرح. كل ممثل يعمل في جزيرته، كل شخصية تمثّل وحدها، وكأن الخشبة قُسّمت إلى مربّعات معزولة. المسرح، الذي يفترض أن يكون فنّ الجماعة، يتحوّل هنا إلى عروض فردية متجاورة، بلا انسجام، بلا تنفّس مشترك، بلا روح واحدة.

ألين لحود في دور داليا تقدّم أداءً يختصر عطب العمل كلّه: تمثيل متقن الشكل، فارغ الجوهر. كل شيء مضبوط، كل إيماءة محسوبة، كل نبرة متدرّبة، لكن لا شيء ينبض. تشاهد ممثلة تؤدّي «الدور» لا امرأة تواجه بيتها وذاكرتها وانفصالها. التصنّع هنا ليس تفصيلًا، بل خيارًا بنيويًا. حتى في لحظات يُفترض أن تكون مشبعة بالألم، يبقى الأداء مغلقًا، باردًا، معقّمًا من الخطر. صوتها جميل، لكن الجمال حين يُفصل عن اللحظة الحيّة، عن الارتجاف، عن المجازفة، يتحوّل إلى زينة صوتية، لا إلى فعل مسرحي.

الأغاني، التي يُقدَّم العمل على أساسها كمسرحية موسيقية، لا تشكّل قيمة درامية حقيقية. تدخل العرض باكرًا، قبل أن يتشكّل أي ارتباط وجداني بالشخصيات، فتبدو مفروضة لا نابعة. الموسيقى هنا لا تحرّك السرد ولا تكشف الداخل، بل تعمل كستار مخملي يخفي فقر النص. هي محاولة تعويض فاقعة، لا خيار فني واعٍ. ومع كل أغنية، يتأكّد أن العمل لا يثق بقصته، ولا يجرؤ على تركها تقف وحدها.

طوني أبو جودة في دور مروان يقدّم أداءً خاليًا من الإيمان بالشخصية. لا صراع داخلي، لا توتّر، لا إحساس بأن هذا الرجل يعيش معضلة حقيقية. الشخصية تُؤدّى كما تُؤدّى صورة عامة، كاريكتير مألوف، مستهلك، بلا أي محاولة لكسره أو تعميقه. حضور بلا أثر، وأداء يمرّ كما يمرّ الوقت.

مايا يمين في دور جومانا تكرّر نفسها بلا أي محاولة للخروج من القالب. الأداء مستنسخ، مألوف، يفتقد أي خصوصية أو بناء جديد. الشخصية لا تُخلق من داخل النص، بل تُسقط عليه، فتبدو زائدة، بلا ضرورة.

سامر حنا، الكاتب والمخرج، يظهر بدور جاد، وهنا تتجلّى واحدة من أفدح نقاط الضعف. التمثيل هش، مرتبك، غير مقنع. الفجوة بين موقعه كصانع عمل وقدرته كممثل صارخة. مشاهد مثل الحوار مع داليا وسط كمّ مبالغ فيه من الدخان المصطنع تتحوّل إلى عبث بصري. الدخان لا يرمز، لا يضيف، لا يفسّر حالة نفسية، بل يفضح فقر الرؤية. مشهد يمكن حذفه بالكامل من دون أن يخسر العرض شيئًا، وهذه إدانة قاسية لا تحتاج إلى شرح.

ماريا بشارة في دور ميشا تقدّم شخصية لا يمكن الدفاع عنها فنيًا أو أخلاقيًا. امرأة بدينة، صراخ، مبالغة، نكات قائمة على الشكل لا على الموقف. لا عمق، لا مسار، لا إنسان. هنا لا كوميديا، بل تنمّر مقنّع. ضحك يولد من السخرية الرخيصة، لا من الذكاء ولا من المفارقة الإنسانية.

الصراخ هو اللغة الطاغية. الجميع يصرخ، وكأن رفع الصوت يعوّض غياب الإحساس. الصراخ لا يُستخدم كذروة، بل كبديل عن التمثيل. ومع ضعف وضوح الصوت من دون مكبّرات، يضيع الحوار، وتتحوّل الكلمات إلى ضجيج مبتور، ويُفرَّغ المسرح من جوهره الأساسي: الكلمة الحيّة.

مشهد اللقاء بين داليا ومروان يأتي طفوليًا، سطحيًا، أقرب إلى سرد مدرسي منه إلى مواجهة إنسانية. لحظة يشعر فيها المتفرّج أن العرض انتهى منطقيًا، لكن المسرحية تواصل السير بلا تصعيد، بلا ضرورة، بلا ذروة، كجسد يرفض الاعتراف بموتِه.

رغم تصنيف العمل كمسرحية موسيقية، يبقى العرض عالقًا بين أشكال لا يحسن أيًّا منها. الموسيقى بلا وظيفة درامية، الكوميديا مبتذلة، والدراما بلا ثقل. هذا التردّد ينسحب حتى على الملابس، التي لا تحمل أي دلالة جمالية أو فكرية، وكأنها نتيجة غياب قرار لا خيار واعٍ.

فكرة العلب التي تحتوي على أغراض قديمة هي اللحظة الوحيدة الصادقة في العمل. فكرة تلمّح إلى ذاكرة، وتعد بشيء إنساني. لكنها تُترك مهملة، بلا تطوير، بلا تحميل درامي، فتتحوّل إلى تفصيل جميل بلا أثر.

في المحصّلة، «البيت بيتك» مسرحية تجارية بامتياز. قوّتها في الأسماء وفي الموسيقى، لا في النص ولا في الرؤية. قصة كليشيه، بيت بلا دفء، ذاكرة بلا حنين، وشخصيات بلا جذور. عرض يصرخ لأنه لا يعرف ماذا يقول، ويملأ الخشبة لأنه عاجز عن ملء المعنى. مسرحية تملك المكان، وتخسر المسرح، تمرّ وتُستهلك وتُنسى، لأنها لم تجرؤ يومًا على أن تكون أكثر من ذلك.

شربل الغاوي

مخرج وصحافي وناقد سينمائي