
مسرحية Maryam Labo مريم لابو: حين يتحوّل العلم إلى لعبة على خشبة المسرح – شربل الغاوي
في مسرحية “Maryam Labo” لا ندخل إلى حكايةٍ تُروى للأطفال فحسب، بل ندخل إلى مختبرٍ ملون يُشبه الحلم حين يقرّر أن يصبح مفيدًا. منذ اللحظة الأولى، يعلن العرض عن هويته بلا مواربة: نحن أمام عالمٍ مصنوع من الخيال التقني، لكنّه ليس خيالًا هاربًا من الواقع، بل خيالٌ يعود إليه من باب العلم، من باب البيئة، من باب الجسد وما فيه من طبٍّ وبيولوجيا، ومن باب المادة وما فيها من كيمياء وفيزياء. إنّها مسرحية تجرّ الطفل من يده إلى منطقةٍ لا يكرهها عادةً: منطقة المعلومات. غير أنّ الحيلة الجمالية هنا تكمن في أنّها لا تقدّم المعلومة كدرس، بل كمتعة… وكأنّ العلم نفسه اكتشف أخيرًا كيف يرقص.
ليست “Maryam Labo” مسرحية للأطفال بالمعنى التقليدي الذي يحصر الطفل في زاوية الضحك السهل والحكاية الخفيفة ثم يتركه يعود كما جاء. إنها أشبه ببوابة تُفتح على مدينةٍ من الضوء والمعرفة، مدينةٍ لا تُبنى بالحجارة بل بالألوان، ولا تُدار بالحراس بل بالخيال. من اللحظة الأولى، يشعر المتلقي أنه لا يجلس أمام خشبةٍ عادية، بل أمام عالم كامل ينهض دفعة واحدة كأنه خرج من شاشةٍ ضخمة واستقرّ على المسرح. هنا لا تُقدَّم المتعة كقشرة، بل كجسدٍ حيّ، تتحرك في داخله الفكرة، وتشتعل في عروقه المعلومة، وتصبح المعرفة جزءًا من الفرح، لا عبئًا عليه. إنها تجربة تشبه أن تُمسك بيد طفلٍ وتدخله إلى عالمٍ يقول له: “لن أُعلّمك بالطريقة التي تُخيفك… سأُدهشك أولًا، ثم ستفهم وحدك”.
النص الذي كتبته جيزال هاشم زرد يبني معادلة حسّاسة، بل معجزة صغيرة في فن مخاطبة الصغار: كيف يمكن لمسرح الطفل أن يكون خفيفًا من دون أن يكون فارغًا؟ وكيف يمكن أن يكون مرحًا من دون أن ينقلب إلى مهرجان حركات؟ النص لا يشرح بقدر ما يلمّح، ولا يلقّن بقدر ما يجرّب، ولا يرفع إصبعه مُعلّمًا، بل يمدّ كفّه صديقًا. هنا لا تُلقى الأفكار من أعلى، ولا تُسحب الشخصيات إلى خطابٍ ثقيل، بل تتحوّل المعلومة إلى جزء من روح الحدث، إلى شيء يحدث داخل اللعبة المسرحية، داخل الموقف، داخل “السبب” الذي يدفع الشخصيات للكلام. وهنا تتجلّى البلاغة الحقيقية: أن تُدخل البيئة إلى قلب اللعبة المسرحية لا إلى هامشها، وأن تجعل مفاهيم الطب والبيولوجيا والفيزياء والكيمياء تسير على قدمين، تتحاور وتضحك وتخطئ وتصيب، كأن العلم ذاته قرر أن ينزل من كتبه الثقيلة، ويرتدي قميصًا ملوّنًا، ويصير قريبًا من الطفل… قريبًا إلى حد أن الطفل ينسى أنه يتعلّم.
وهذا بالضبط ما يحتاجه الطفل اليوم؛ لأن الطفل لم يعد ذلك المتلقي الساذج الذي يصفّق لأي لونٍ صاخب، بل صار كائنًا ذكيًا، سريع الالتقاط، يختبر صدق العرض قبل أن يضحك له. إنّه طفلٌ يعيش في عصر الشاشة والسرعة، ومع ذلك فهو يحتاج إلى من يعيد بناء دهشته على مهل، ويقدّم له المعرفة كما تُقدَّم الهدية، لا كما يُقدَّم الامتحان. هنا يتمّ الامتحان بطريقة معكوسة: العرض لا يمتحن الطفل، بل يمتحن نفسه أمام الطفل… ويخرج ناجحًا.
أما الإخراج عند ماريلين زرد مصابني، فيبدو كأنه يضع مهمته الأساسية أمامه بوضوح: بناء عالم كامل لا ينهار من كثرة الإبهار. الإخراج يبدو كمن يقود أوركسترا بصرية: لا يترك عنصرًا خارج الإيقاع، ولا يسمح للصخب أن يتحوّل إلى فوضى. ماريلين لا تكتفي بأن تملأ المسرح بحضورٍ بصري، بل تحاول أن تجعل هذا الحضور “نظامًا” لا “زحمة”، “نَفَسًا” لا “ضجيجًا”. فالعرض، رغم ازدحام الديكور وتنوّع عناصره، لا يضيع في الكثرة، لأنّ هناك عقلًا إخراجيًا يوزّع الضوء كما يوزّع المعنى، ويعرف متى يرفع السرعة ومتى يترك للدهشة أن تتنفّس.
ميزة هذا النوع من الإخراج أنّه لا يراهن على جملة واحدة أو لقطة واحدة لتنجح المسرحية، بل يراهن على الاستمرارية: أن يبقى الطفل في الداخل، في قلب التجربة، لا يخرج منها حتى النهاية. والجميل أن الإخراج لا يضع الطفل أمام العرض كمتفرّجٍ صامت، بل يضعه داخله كأنه شريكٌ في الرحلة، كأن الخشبة تتحوّل إلى غرفة لعبٍ ضخمة، لكن لعبٍ مُنظّم، له روحٌ، وله هدفٌ، وله معنى لا يُقال بصوتٍ عالٍ بل يُزرع في الذاكرة.
الديكور الذي أنجزه عمر زرد ليس مجرد “خلفية”، بل شخصية ثالثة في العرض، وربما الشخصية الأكبر. من يشاهد الصورة يدرك فورًا أننا أمام مدينةٍ علمية صغيرة، مصنعٍ مرح، مختبرٍ مسرحي تُضاء فيه الأشياء كما تُضاء الأفكار. الألوان الصارخة ليست للزينة وحدها، بل لأنها جزء من منطق الطفل: عالمه الداخلي ليس باهتًا، بل فاقعٌ، وكأن كل فكرة لديه تملك لونها الخاص. هناك شاشات، أبواب ضخمة، أنابيب، منصات، مجسّمات، وسلالم تجعل المكان يبدو كأنه لعبة عملاقة يمكن الدخول إليها. وهذه “الضخامة” في الديكور ليست مجرد رفاهية إنتاجية، بل لها وظيفة نفسية ومعنوية: الطفل يحب أن يشعر أن المسرح أكبر منه… لأن هذا يمنحه شعورًا بأن العالم واسع، وأن الخيال قادر على بناء مدنٍ كاملة فوق الخشبة.
وإن كان الديكور ممتعًا للكبار أكثر من الصغار، فذلك ليس لأن الطفل أقلّ انجذابًا، بل لأن الديكور هنا لا يكتفي بأن يكون “حلوًا” بل يكون “محترفًا”؛ يحمل طبقةً إضافية من الجمال لا يلتقطها إلا من يعرف قيمة التفاصيل. الكبار يرون الحرفة، يرون الجهد، يرون الهندسة الدقيقة في توزيع الكتل والألوان والإضاءة، بينما الطفل يلتقط السحر مباشرةً دون أن يسميه. وهذا مكسبٌ كبير، لأن أجمل ما في مسرح الطفل أن يُقدَّم بكرامة الفن، لا أن يُقدَّم كشيءٍ صغير لأن جمهوره صغير. الديكور هنا يقول ضمنًا: نحن نحترم الطفل، ولذلك نصنع له عالمًا لا يقلّ جودة عن عوالم الكبار، بل قد يتفوّق عليها في الخيال والجرأة.
ومن أكثر العناصر ذكاءً في العرض تلك الشاشة الخلفية التي تمشي مع المسرحية، شاشة ليست ديكورًا ثابتًا بل عقلًا إلكترونيًا يواكب الحدث. وجود الغرافيكس هنا ليس مجرد “إضافة تقنية”، بل امتداد طبيعي لزمن الطفل الحالي؛ الطفل الذي يعيش بين الشاشات، ويقرأ عبر الصور المتحركة، ويؤمن أن المعلومة لا تأتي كاملة إلا إذا رآها تتحرك. الشاشة في “Maryam Labo” لا تسرق العرض من الممثل، لكنها تُسانده، تُعطيه معنى بصريًا إضافيًا، وتُحوّل المسرح إلى مساحة هجينة تجمع بين روح اللعب القديم وطاقة التكنولوجيا الجديدة. وكأننا أمام مسرح يقول للطفل: أنا أفهم لغتك… وأستطيع أن أترجمها إلى خشبة.
والأهم أنّك تشعر، وأنت تتابع، أنّك لا تنظر إلى عرضٍ مسرحي فقط، بل إلى فيلم ثلاثي الأبعاد حيّ، فيلم يتنفس، يلمع، ويتمدّد داخل الخشبة. كأن الشاشة لا تعرض صورة، بل تفتح نافذة على عمقٍ إضافي، فتجعل المشهد أوسع من مساحته، وتمنح الحركة بُعدًا بصريًا يشبه تأثير الـ 3D؛ حيث التفاصيل تقترب منك، والضوء يكاد يلامس وجهك، فتظن للحظة أنك داخل اللعبة لا خارجها. وهذا إحساس نادر في المسرح، لأن المسرح عادةً يحدّد المسافة بينك وبين الخشبة، أما هنا فالمسافة تكاد تنكسر، وتتحول المشاهدة إلى معايشة.
لكن ما يرفع العرض من مستوى “الاستعراض” إلى مستوى “العمل المسرحي” الحقيقي هو أن هذا الإبهار لم يقتل الفكرة، بل خدمها. البيئة تُذكر بطريقة قريبة، والمفاهيم العلمية تُلامس الطفل بلا تعقيد ولا تبسيط مُخلّ. هذا النوع من الكتابة والإخراج يفهم أن الطفل لا يحتاج أن “نجرّده” من ذكائه كي يفهم، بل يحتاج أن نمنحه بوابةً أجمل إلى الفهم. وهنا قيمة المسرحية: أنها توسّع فكر الطفل لا عبر الوعظ، بل عبر التجربة، لا عبر الكلام المجرد، بل عبر صورةٍ تتحرك، وشخصيةٍ تُضحك، وفكرةٍ تختبئ داخل مشهدٍ ملوّن ثم تظهر فجأة في ذهن الطفل كأنها اكتشافٌ شخصي.
أما القرار الفني بتسجيل أصوات الممثلين بدل الأداء الصوتي المباشر فهو قرار قابل للجدل، لكنه في هذه المسرحية يبدو مقصودًا بدقة. الطفل أقرب إلى الصوت النظيف، المصفّى، الذي يملك وضوحًا سمعيًا واستقرارًا في النبرة. ثم إن تغيير الأصوات لتبدو روبوتية أو إلكترونية يمنح الشخصيات “هوية” مسموعة، ويضيف طبقة من الخيال لا يمكن تحقيقها بسهولة على الخشبة الحيّة بنفس الجودة والثبات. صحيح أن المسرح، في جوهره، فن الحضور المباشر، وأن متعة أن تسمع الممثل يتنفس ويعلو صوته وينخفض هي جزء من السحر، لكن مسرح الطفل له شروطه الخاصة، وهذه المسرحية اختارت أن تُضحّي بجزء من “المباشرة” كي تكسب الطفل كاملًا عبر صوتٍ يُشبه أفلامه وألعابه.
ولأن الصوت مسجل، صار الإيقاع الحركي أكثر أهمية: خطوات الممثلين تتحرك على الموسيقى، والانتقالات تنبض كأنها جزء من آلة واحدة. وهذا يتطلب تدريبًا صارمًا، لأن أي خلل بسيط في التزامن قد يفضح الفكرة. غير أن العرض، كما يظهر من روحه العامة، تعامل مع الحركة كأنها هندسة، كأنّ الممثلين تروسٌ داخل آلة مسرحية لطيفة، آلة تضحك وتعلّم في الوقت نفسه، وتعرف كيف تجعل الطفل ينسى الزمن.

في الأداء، تتقدّم باتيل أفيديسان بدور الروبوت بوصفها أحد أعمدة العرض. هناك ممثلون يؤدون دور الروبوت عبر المبالغة فقط: صوت معدني، حركة مقطّعة، ضحكة غريبة… ثم ينتهي الأمر. لكن حين تشعر وأنت تشاهد أنها روبوت حقيقي، فهذا يعني أن الأداء لم يكن شكلًا خارجيًا، بل كان قرارًا داخليًا، منطقًا كاملًا في الجسد، في التوقيت، في النظرة، في الاقتصاد بالحركة، وفي جعل البرودة المصطنعة تحمل لمعة إنسانية صغيرة لا تُقال. هذا النوع من الأدوار صعب لأنّه يمشي على حافة دقيقة: إن صار الروبوت إنسانًا بالكامل ضاعت الفكرة، وإن صار آلة بالكامل ماتت العلاقة مع الجمهور. النجاح هنا هو أن يبقى الروبوت روبوتًا… لكن أن يحبّه الطفل، وأن يصدّقه الكبير.
ومريم، الروبوت، تحمل بدورها عبئًا خاصًا: أن تكون واجهة التجربة، وأن تكون جسر الطفل إلى ذلك العالم المعقّد من العلوم. أداء “مريم الروبوت” لا يكفي أن يكون لطيفًا أو مرحًا، بل يجب أن يكون قابلًا للتصديق داخل اللعبة. الروبوت في مسرح الطفل ليس مجرد شخصية، بل رمزٌ لعصره: هو المستقبل الذي يأتي ضاحكًا بدل أن يأتي مخيفًا. لذلك كل تفصيل في هذا الدور يصنع الفرق، من حضورها على الخشبة إلى تفاعلها مع الشاشة إلى طريقة إدخال المعلومة في الحوار بلا افتعال. هنا الروبوت لا يصير حيلة، بل يصير فكرة مجسدة: العلم يمكن أن يكون حنونًا، والتقنية يمكن أن تكون صديقة.

ويبدو أن المسرحية امتلكت أيضًا عنصر “الفرح الشعبي” الذي لا يتصنّع: حضور تلما عدس لهلوبة المسرح، ذلك المزاج الذي يرقص في قلب المشهد دون أن يفسده، ويُضحك دون أن يبتذل. الغنج والحركة والهضامة ليست تفصيلًا عابرًا في مسرح الطفل، لأنها اللغة الأقرب إلى قلبه، لكنها في الوقت نفسه خطرٌ إن تحوّلت إلى مبالغة. غير أنّ حضورها، كما يُقرأ من أثره، كان مضبوطًا على ميزانٍ ذكي: تضحكك من دون أن تُهين المشهد، وتُشعل الطاقة من دون أن تحرق المعنى. وحين يقال إنها “تحرق القلب بأدائها”، فذلك لأن في خفتها حرارةً صادقة، ولأن الطفل لا يضحك بعقله فقط… يضحك بروحه.

ثم تأتي ماري جوزيه إبراهيم كاسمٍ واضح في المستقبل، ليس لأن لديها موهبة وحسب، بل لأن “إمكانية حمل العمل على كتفيها” تعني أنها تملك حضورًا قياديًا على الخشبة. وهذا النوع من الممثلين نادرون: ممثلون لا يكتفون بأن يكونوا جزءًا من المشهد، بل يصير المشهد أكثر ثباتًا بوجودهم. وفي مسرح الطفل تحديدًا، الممثل الذي يستطيع أن يقود دون أن يتسلّط، وأن يجذب الطفل دون أن يستعرض عليه، هو ممثل يولد للمسرح والدراما معًا. حضورها هنا ليس تفصيلاً، بل وعدٌ قادم، لأن الموهبة حين تظهر بهذا الشكل المبكر تكون قد بدأت فعلاً بكتابة مستقبلها.
ولا يمرّ هذا كله من دون تحيةٍ صادقة لبقية الممثلين، لأولئك الذين يصنعون الجماعة التي تمنح العرض قوةً وتماسكًا. مسرح الطفل ليس بطولة فردية، بل هو شبكة طاقة متصلة؛ إذا ضعف فيها خيط واحد اهتزّت المتعة كلها. أما حين يكون الجهد جماعيًا، يصبح المسرح مكانًا يصدق فيه الطفل ما يرى، ويشعر أن العالم الذي أمامه “حقيقي” ولو كان مصنوعًا من الخيال.
في المحصلة، “Maryam Labo” ليست مسرحية تُستهلك ثم تُنسى، بل عرضٌ يترك أثرًا لأنّه يجمع بين ثلاثة أشياء نادرًا ما تجتمع بهذا التوازن: المتعة، والمعرفة، والخيال التقني. إنها مسرحية تُثبت أن توسيع فكر الأطفال لا يحتاج خطبًا ولا وصاية، بل يحتاج مدينةً على الخشبة، وألوانًا تعرف كيف تشرح، وممثلين يعرفون كيف يصيرون كائنات من عالم الطفل لا غرباء عنه. وهي أيضًا عملٌ يبرهن أن المسرح قادر على أن يواكب زمن الشاشة من دون أن يفقد روحه، وأن يقترب من عالم الطفل الرقمي لا ليقلّده، بل ليترجمه إلى خشبة حيّة.
وهكذا، حين تنتهي المسرحية، لا يخرج الطفل وهو يردد جملة واحدة فقط، بل يخرج وهو يشعر أن البيئة ليست كلمة بعيدة، وأن الكمبيوتر ليس شاشة صامتة، وأن الكيمياء والفيزياء ليست خوفًا مدرسيًا، بل ألعابًا يمكن لمسها والضحك معها. يخرج وقد حمل بذرة سؤال، وفضولًا جديدًا، وذكرى تقول له إن المسرح ليس مكانًا للحكاية وحدها… بل مكانٌ يمكن أن يصنع لك عالمًا، تمامًا كما يصنع لك الفيلم ثلاثي الأبعاد دهشةً تتقدّم نحوك وتبقى. هذه مسرحية تبقى في ذاكرة الطفل، لا لأنها صاخبة فقط، بل لأنها ذكية، كريمة، وتعرف كيف تجعل العلم جميلًا… وكيف تجعل الجمال مفيدًا.
شربل الغاوي
مخرج وصحافي وناقد سينمائي