Charbel El Ghawi Sawt El Fan

.

شربل الغاوي صوت الفن

مسرحية أنا وغيفارا : حين يتحوّل التاريخ إلى استعراض – شربل الغاوي

مسرحية أنا وغيفارا : حين يتحوّل التاريخ إلى استعراض – شربل الغاوي

مسرحية أنا وغيفارا ليست عرضًا يمرّ على العين مرور الزينة ثم يمضي، بل هي تجربة تشبه مرآة تُرفع فجأة أمام الذاكرة: تريك وجهك كما صار اليوم، وتستدعي ملامحك كما كان بالأمس، وتضع بين الصورتين مسافة لا تُقاس بالسنوات وحدها، بل بما تغيّر في الذائقة، وبما تبدّل في جرأة المسرح، وبما خفَّ من حدّة الحلم حين صار التعب أثقل من التصفيق. هي مسرحية تستفزّ المتلقي لا لأنها تنادي باسم تشي غيفارا فقط، بل لأنها تدخل عمدًا إلى منطقة حسّاسة بين الأسطورة والفرجة، بين السياسة كفكرة والسياسة كجرح، وبين المسرح حين يكون احتفالًا والمسرح حين يتحوّل إلى جملةٍ قاسية تُصيب وتترك أثرًا.

لهذا لم يكن سهلًا أن يُكتب رأي سريع عنها. لأن البناء في مرحلته الأولى يقوم أساسًا على المسرح الغنائي، وعلى لوحات رقص تتخلّلها حوارات قصيرة، في نسق يجعل الأغنية تتقدّم، ويجعل الدراما في كثير من الأحيان مجرد “ممرّ” بين الاستعراضات. وهذا النوع من المسرح لا يُحاكم بمنطق المسرحية التقليدية وحده، ولا يُقرأ من باب المتعة وحدها. إنه فنٌّ مركّب: إن اختلّ ميزانه صار زخرفة بلا روح، وإن استقام صار الموسيقى نفسها معنى، وصارت الحركة لغة لا تكتفي بملء الفراغ بل تكتبه من جديد.

غير أن المعضلة الكبرى في أنا وغيفارا لم تبدأ من الخشبة، بل سبقت الخشبة بخطوة… في الإعلان الترويجي. الإعلان لم يقدّم العمل الجديد بوصفه مشروعًا مستقلًا له بصمته وجرأته ورهانه الخاص، بل استند إلى ذاكرة عملٍ سابق يعود إلى عشرين عامًا: مسرحية تشي غيفارا، مستعينًا بآراء فنانين كبار من ذلك الزمن، بعضهم غاب اليوم عن الحياة، فصارت شهادته أقرب إلى وثيقةٍ من زمنٍ كامل، لا إلى رأي عابر. وحين يفعل الإعلان ذلك، فهو لا يروّج للعرض فقط، بل يوقّع ضمنيًا عقد مقارنة مع الجمهور والناقد: كأنه يقول “نحن استمرار لما كان”، أو “نحن الوجه الجديد لما عرفتموه”، أو “خذوا هذا الحاضر على ضوء ذلك المجد”.

ومن هنا تصبح المقارنة حقًا لا جدال فيه، بل واجبًا نقديًا وأخلاقيًا. لأن من يرفع ذاكرة الماضي ليمدّ بها شرعية الحاضر، لا يحق له أن يطلب من النقد أن يغمض عينيه عن الفوارق. المقارنة في هذه الحالة ليست قسوة، بل عدالة. ليست رغبة في الهدم، بل محاولة لفهم: هل نحن أمام ولادة جديدة أم أمام صدى؟

وهكذا… لا مجال فعليًا لمقارنة عادلة بين تشي غيفارا التي عُرضت قبل عشرين عامًا، وبين أنا وغيفارا التي تُعرض اليوم، لأن الفارق ليس في التفاصيل بل في الجوهر. الأولى كانت مسرحية ضخمة إلى حدّ أن الخشبة بدت كأنها بلدٌ كامل يُعاد بناؤه أمامك لحظةً بلحظة. ضخامة في الأداء، في اختيار الممثلين، في الرؤية الإخراجية، في المؤثرات البصرية والسمعية، في المعارك التي لم تُقدّم كحركة زائدة بل كجزء عضوي من السرد، يرفع التوتر ويُرسّخ المأساة ويُشعر المتلقي أن التاريخ ليس ذكرى بل حضورًا ثقيلًا. كانت هناك ماكينة مسرحية تعمل على فكرة واحدة: أن المسرح قادر على أن يخلق “حقيقة” على الخشبة، لا أن يكتفي بتجميل الذكرى أو تلميع الرمز.

أما أنا وغيفارا فتبدو في جوهرها مسرحية تميل إلى الاحتفال أكثر مما تميل إلى الشقّ، وإلى الصورة أكثر مما تميل إلى التفكيك. العرض يعتمد بكثافة على الاستعراض والإضاءة والكتلة الجماعية، حتى أن بعض المشاهد تصبح أقرب إلى “مشهدية كبيرة” تُدهش العين وتسرقها، لكنها في الوقت نفسه تُبعدها عن تفاصيل الأداء الفردي وعن الحفر النفسي للشخصيات. المشهد ممتلئ نعم… لكنه ممتلئ أحيانًا على حساب الإنسان في داخله. وحين يصير المسرح ساحة ألوان أكثر مما هو ساحة مصائر، تزداد الفرجة لمعانًا وتخفّ الحكاية وزنًا، كأننا نرى الموج من بعيد ولا نسمع صوته من الداخل.

وفي قلب هذا الخيار الجمالي تقف السياسة بوجهٍ آخر. المسرحية تفضّل مسافة آمنة في طرحها السياسي، فتقدّم رسالة إنسانية عامة عن الثورة والعنف والحلم والخذلان، بدل أن تغوص في حدّة الموقف أو تفكّك الشخصيات تاريخيًا بجرأة أكثر قسوة. هناك رغبة واضحة في تجنّب الصدام، في إبقاء الفكرة لامعة ولكن غير جارحة، في جعل الرسالة قابلة للتصفيق أكثر مما هي قابلة للجدل. وهذا ما جعل كثيرين يشعرون أن العمل أقل صدامية مما يوحي عنوانه. لأن عنوانًا مثل أنا وغيفارا يحمل وعدًا بالمواجهة: مواجهة بين “أنا” فردية تتعثر وتنهض، و”غيفارا” كفكرة جارفة لا تؤمن بأنصاف الحلول. بين ذات تبحث عن سلامٍ صغير وفكرة لا تعترف إلا بالعاصفة. لكن ما يحدث على الخشبة غالبًا هو تليين هذه المواجهة، وتقديم غيفارا كرمز جميل أكثر منه كسؤالٍ مقلق.

ومع ذلك، إن وضعت المقارنة جانبًا، وإن أخذت المسرحية كما هي، بعيدًا عن تصنيفها كعمل سياسي أو تاريخي، فهي ممتعة. تفرح بالأغاني واللوحات، بالانضباط الجماعي، بالإيقاع الذي يشدّ الجمهور، وبالطاقة التي تجعل العرض في لحظاته كأنه عيدٌ داخل المسرح. وهذا ليس تفصيلًا بسيطًا، لأن المتعة نفسها في زمننا صارت إنجازًا، وصار الفرح نادرًا كأنه ترف.

أما من ناحية الإيقاع، فالجزء الأول يمرّ بانسياب لا تشعر معه بطول الوقت، كأن العرض يعرف كيف يسحب المتلقي إلى داخله دون أن يشعره بالجرّ. لكن بعد الاستراحة يحدث ما يشبه التشبّع: تلك اللحظة التي تشعر فيها أن المسرحية قالت كل ما يمكن أن تقوله بصورتها وأغنيتها وإضاءتها، وأن النهاية كان يجب أن تأتي، لأن الوهج بدأ يتكرر بدل أن يتصاعد. الاستعراض حين يطول دون تصعيد درامي حقيقي يتحوّل من بهجة إلى تكرار، ومن دهشة إلى تعب، ومن وهج إلى رتابة.

وفي مشاهد المعارك تحديدًا ظهر الفرق بين عملٍ “يُتقن العنف كمشهد” وعملٍ “يستخدم العنف كزينة”. بعض مشاهد المعارك في أنا وغيفارا بدت طفولية بشكل واضح، لا لأن الفكرة سيئة، بل لأن التنفيذ لم يمنحها رهبتها. المعركة في المسرح ليست حركات جسد فقط، بل توتر، مصير، ثمن، خوف يُحسّ لا يُرى. وعندما تُقدّم بخفة زائدة، تسقط هيبتها ويصبح العنف مجرد لوحة داخل دفتر الاستعراض.

ثم نصل إلى النقطة الجوهرية: تشي غيفارا نفسه. تجسيد هذه الشخصية ليس تفصيلًا، بل عمود العمل وميزانه. في المسرحية القديمة، عمار شلق لم يكن “يمثل” غيفارا فقط، بل كان يختفي ليجعلك ترى غيفارا. درجة التشابه والحضور كانت إلى حدّ أن الفاصل بين الممثل والصورة الأصلية يذوب، وتصبح الشخصية كأنها خرجت من كتاب التاريخ لتقف على الخشبة. ذلك النوع من الأداء الذي يكسب رهان التصديق قبل أن ينطق.

في أنا وغيفارا، فريد الصباغ لم يُقنعني أنه تشي غيفارا. ليس لأن الموهبة غائبة، بل لأن المسرح حين يقترب من أيقونة تاريخية لا يرحم التفاصيل التي تفسد الوهم. وأبرز هذه التفاصيل كانت اللحية: فريد الصباغ لم يتخلَّ عن لحيته الكثيفة، بينما تشي غيفارا معروف بلحية غير كثيفة، وهذه العلامة البصرية جزء من صورته التي لا تُنسى. هنا تتكسر المطابقة بسرعة: ترى فريد الصباغ على الخشبة بدل أن ترى غيفارا. والفرق بين الاثنين ليس فرق شكل فقط… بل فرق تصديق. لأن الجمهور لا يدخل ليرى اسمًا مكتوبًا، بل يدخل ليؤمن أن التاريخ يمكن أن يتجسّد، ولو لساعة.

ومع ذلك، الإنصاف يفرض الاعتراف بأن العمل يملك عناصر قوة لا يجوز تجاهلها. ستون ممثلًا وراقصًا رقم كبير، وهو دليل على جهد جماعي هائل وعلى تنظيم صعب وعلى قدرة على إدارة كتلة بشرية ضخمة فوق الخشبة. الكتلة الجماعية كانت عنصرًا بصريًا فاعلًا، ومنحت العرض طابعًا احتفاليًا و“عظمة شكلية” تُحسب له، حتى وإن كانت هذه العظمة أحيانًا تأتي بدل العمق لا معه.

نادين الراسي كانت لافتة بحضورها. تشعر بفرح قلبها وهي تمثل، كأنها لا تؤدي دورًا بقدر ما تمنح المسرح من داخلها. حضورها ليس تقنيًا فقط، بل وجداني، والصدق في الفن حين يمرّ لا يحتاج إلى إعلان… يُرى فورًا.

ريمون صليبا هو ريمون صليبا الذي عرفناه منذ كنا صغارًا، كأن الزمن لم ينتزع منه نبرته ولا حضوره، وكأنه لا يزال يقف على الخشبة بالروح نفسها. وجوده يمنح العرض ثقلاً وخبرة وتوازنًا وسط موجة الاستعراض، لأنه ممثل يعرف كيف يقول الكثير بأبسط الأدوات، وكيف يترك أثرًا لا يحتاج إلى ضجيج.

أما فريد وماهر الصباغ، ففي الغناء تحديدًا، يتركان أثرًا واضحًا. بين الصوت والإحساس هناك شيء يطرق القلب في الأغاني الرومنسية، ويمنح العرض لحظاته الأكثر نعومة وسط صخب الصورة. حين ينجح المسرح الغنائي، فهو ينجح حين تُصبح الأغنية اعترافًا لا تزيينًا، ودفئًا لا مجرد أداء جميل.

ولا يمكن أن تُكتب هذه القراءة من دون التوقف عند كارين رميا، فهي لم تكن حضورًا إضافيًا ضمن فريق كبير، بل كانت لحظة توازن داخل العرض ونافذة إحساس حقيقية وسط ضخامة المشهد. أعطت من قلبها في التمثيل والأداء والغناء، لا كمن يؤدي واجبًا، بل كمن يعيش الشخصية بكل ما فيها من نبض وتوتر وصدق، فتشعر أن حضورها يلتقط العين من أول ظهور ويثبتها على الخشبة بلا استئذان. تملك كاريزما هادئة لا تحتاج إلى ضجيج كي تفرض نفسها، وتملك خفة تصل بسرعة، وفي الوقت نفسه ثِقلًا فنيًا يجعلها ثابتة كعمود داخل الصورة. صوتها لا يمرّ مرورًا عابرًا، بل يحمل طبقة إحساس تُحوّل الأغنية إلى جزء من الحكاية لا إلى استراحة منها، وحتى في لحظات الصمت تبقى ملامحها عاملة، نظرتها تقول، ووقفتها تكمل المعنى. كارين رميا كانت من أكثر العناصر التي منحت العمل روحه، لأنها ببساطة لا تملأ المسرح… بل تضيئه.

في النهاية، أنا وغيفارا مسرحية تُفرح الجمهور حين تُؤخذ بوصفها عرضًا استعراضيًا غنائيًا مكتمل العناصر البصرية، لكنها تتراجع حين تُطالب بأن تكون عملًا سياسيًا تاريخيًا صادمًا، وحين تُوضع تحت ميزان المقارنة مع تشي غيفارا التي كانت أكثر ضخامة وأكثر جرأة وأكثر قدرة على جعل التاريخ يبدو حاضرًا لا مستعارًا.

هي مسرحية تعرف كيف تمنح المتعة، لكنها لا تذهب بعيدًا في الوجع. تعطيك جماليات كثيرة، لكنها تكتفي بقولٍ عام بدل أن تغامر بقولٍ حاد. ترفع اسم غيفارا، لكن غيفارا فيها يبقى ظلًا جميلًا أكثر مما يكون سكينًا فكريًا. وبين الظل والسكين مسافة كبيرة، وبين المتعة والضرورة يقف الناقد دائمًا في المكان نفسه: يريد أن يستمتع نعم… لكنه يريد أيضًا أن يخرج من المسرح وهو يحمل سؤالًا، لا أغنية فقط.

إذا كان عنوانها أنا وغيفارا، فالأجمل كان أن نرى هذا الـ”أنا” وهو يُحاصر الفكرة، يتمرد عليها، أو ينهار أمامها بلا مسافة آمنة. لأن المسرح حين يصبح آمنًا أكثر مما يجب، يفقد جزءًا من مجده. ومع ذلك تبقى التجربة جديرة بالمشاهدة، لا لأنها تقدم الحقيقة كاملة، بل لأنها تفتح بابًا لنقاش لا يموت: هل الثورة أغنية؟ أم جرح؟ وهل غيفارا على الخشبة صورة؟ أم اختبار حقيقي لشجاعة المسرح؟

شربل الغاوي

مخرج وصحافي وناقد سينمائي