Charbel El Ghawi Sawt El Fan

.

شربل الغاوي صوت الفن

نقولا الأسطا حين تُعاد القيمة لأهلها – شربل الغاوي

نقولا الأسطا حين تُعاد القيمة لأهلها – شربل الغاوي

كان اسم نقولا الأسطا محاطًا بصمتٍ مقصود.

لم يكن غائبًا عن الساحة، غير أنّ الحديث عنه كان يُقابل بتحفّظٍ واضح، وكأنّ اسمه موضوع غير مرغوب في فتحه. في أماكن كثيرة، كان المنع غير مُعلن، لكنه مفهوم الدلالة: لا حديث، لا نقاش، لا اقتراب. وكان الإعلام، والصحافة، وشاشات التلفزيون في مقدّمة هذه المساحات التي فُرض فيها هذا الصمت، حيث صار ذكر الاسم إشكاليًا أو غير مرغوب فيه.

في المقابلة الأخيرة، قال نقولا الأسطا ما يشبه الخلاصة المباشرة لسنوات طويلة: جلدوني كثيرًا، وقد انتهى الأمر.

والمقصود بـ الجلد هنا ليس النقد، بل ممارسة قاسية تقوم على التشويه المتعمّد، والتقليل من القيمة، والضغط النفسي والمعنوي بهدف الإقصاء. لم تكن العبارة انفعالًا ولا شكوى عاطفية، بل توصيفًا دقيقًا لما جرى. ما واجهه لم يكن نقدًا فنيًا طبيعيًا، بل حملة متواصلة من الجلد، هدفها الدفع نحو الصمت، ولا سيّما عبر منابر يُفترض بها أن تكون مساحة للرأي لا أداة للإقصاء.

الجلد لم يكن اختلافًا في الرأي، بل ممارسة ممنهجة.

لم يكن نقاشًا حول عمل أو أداء، بل أسلوبًا لإسكات اسمٍ بعينه ووضعه خارج التداول العام. حين يُمنع الفنان من الدفاع عن نفسه، وحين يُطلب منه الصمت بحجّة تسيير الأمور، وحين يتكرّس هذا الجلد إعلاميًا، نكون أمام خللٍ واضح في مفهوم النقد وفي معنى الحرية ودور الصحافة نفسها.

اليوم، حين يعلن رفضه للصمت، فهو لا يهاجم أحدًا ولا يفتح معركة. إنّه ببساطة يرفض الاستمرار في الصمت، ويرفض أن يكون السكوت شرطًا للبقاء، أو أن يُفهم الصمت على أنّه اعتراف أو قبول، أو أن يبقى الإعلام بابًا موصدًا أمام اسمه.

ويضيف في المقابلة نفسها فكرة أساسية لا تقلّ أهمية: أنّ الراحة الحقيقية لن تتحقّق إلا عندما ينال حقّه الفني كاملًا. هنا تتّضح الصورة أكثر. المسألة ليست مجرّد كلام أو ردّ اعتبار معنوي، بل استعادة حقّ سُلب طويلًا. المشكلة لم تكن في النقد وحده، بل في المقارنة الدائمة، وفي وضع الفنان داخل ميزان لا يخصّه، وفي محاسبته بمعايير لا تعبّر عن تجربته ولا عن صوته الخاص. المقارنة ألغت الفرادة، وسلبت الإحساس بالإنصاف، وأجّلت لحظة الراحة.

ولا يتوقّف الأمر عند حدود الكلام. يعمل نقولا الأسطا اليوم على كتابة كتاب، لا ليضيف عنوانًا جديدًا إلى رفوف المكتبات، بل ليضع حدًّا لمرحلة كاملة. كتاب يُكتب بوصفه فعل مواجهة لا تبرير، ويفتح الملفات التي بقيت مقفلة، ولا سيّما تلك التي صنعت قيمًا وهمية، ومنحت المنابر لمن لا يستحق، وحجبت الحقّ عن أهله الحقيقيين.

ليس هذا الكتاب مشروع فضيحة من أجل الضجيج، بل مشروع كشف من أجل التصحيح. كتاب لإعادة التوازن، وإعادة توزيع القيمة في موضعها الصحيح، والتأكيد أنّ الحقّ الفني لا يُمنح بالمقارنة ولا بالمحاباة، بل بالعمل والصدق والاستمرارية.

ما يقوله نقولا الأسطا ليس خطاب مظلومية، ولا محاولة لاستدرار التعاطف. إنّه موقف واضح، وصوت خرج بعد طول صبر، ويتحوّل اليوم إلى مسار. فالنقد حق، أمّا الجلد فليس نقدًا. والاختلاف مشروع، أمّا الإلغاء فليس رأيًا.

وحين يتكلّم من صمتٍ طويل، يصبح الكلام ضرورة. لا لإدانة الماضي فحسب، بل لتصحيح الحاضر، وللوصول إلى تلك اللحظة التي تتحقّق فيها الراحة فعلًا: لحظة نيل الحقّ الفني كاملًا، بلا مقارنة، وبلا وصاية، وبلا صمتٍ مفروض.

شربل الغاوي

مخرج وصحافي وناقد سينمائي