
مسرحية الحبل: صراخ طويل بدل فعل مسرحي – شربل الغاوي
رمز مثقل أكثر مما يحتمل
منذ اللحظة الأولى، يُلقى بالحبل في وجه المتفرج بوصفه المفتاح والجوهر. حبل المشنقة، حبل المرجوحة، الحبل المربوط بسلة، الحبل الأفعى، والحبل السري. تتكاثر الحبال إلى حدّ الاختناق، لا بوصفها مسارات دلالية تتطوّر، بل كفكرة واحدة تُعاد بصيغ مختلفة. الرمز هنا لا يُقترح بل يُفرض، لا يُلمّح بل يُشرح، إلى أن يفقد غموضه وقوته. بدل أن يكون الحبل مساحة تأويل، يتحول إلى عبء لغوي يضغط على النص ويُثقله، وكأن العمل يخشى الصمت، فيغطيه بتكرار الفكرة نفسها.
بدايات واعدة وسقوط تدريجي
البداية تملك طاقة صادمة وصورة قاسية قادرة على فتح أسئلة وجودية ونفسية عميقة. هنا يُحسب للنص جرأته الأولى. لكن هذه الجرأة لا تُستثمر دراميًا. بعد اندفاعة البداية، يتراخى البناء، ويُستبدل التقدّم بالتكديس. الأفكار لا تنمو، بل تُضاف فوق بعضها، فيتحول العمل إلى سيل اعترافات لا يعرف إلى أين يتجه.
تكديس القضايا بدل الاشتباك معها
العنوسة، القمع، التحرش، الجسد، كراهية الذات، العلاقة مع الأم، العلاقة مع الأب، العائلة والمجتمع. كلها قضايا نعيشها ونسمعها يوميًا. المشكلة ليست في حضورها، بل في طريقة طرحها. المسرحية لا تحوّل هذه القضايا إلى صراع درامي، بل تكتفي بعرضها كما هي، بلا تفكيك ولا مساءلة. كأن جمع كل هذه العناصر في عرض واحد يمنحه تلقائيًا ثِقَلًا، فيما الحقيقة أن الفائض قد يُفرغ العمل من معناه.
حين يتحول المسرح إلى جلسة بوح
مع منتصف العرض تقريبًا، يفقد العمل زخمه، وينقلب إلى حوار طويل بين أم وابنتها، حوار يفتقد التوتر والحركة. هنا يدخل العرض منطقة الخطر، حيث التكرار يحل مكان التطوّر. المتفرج لا يشعر بأنه يُقاد نحو ذروة، بل بأنه عالق في مساحة واحدة تُعاد صياغتها لغويًا فقط. الإيقاع ينهار، ويبدأ التململ، وتغدو المسرحية أقرب إلى مقابلة مطوّلة عن مشاكل شخصية مألوفة.
الصراخ كبديل عن البناء
الصوت المرتفع حاضر بقوة، لكن الصراخ لا يعوّض غياب التحوّل الداخلي. حين يكون الانفعال في مستوى واحد، مهما بلغت حدّته، يتحول إلى نغمة واحدة. أداء آن–ماري سلامة، رغم تمكّنها الواضح من أدواتها، يقع في فخ الرتابة، لأن النص لا يمنحها مساحات تدرّج حقيقية. كل شيء يُقال بالحدّة نفسها، وكأن العرض يخشى الهدوء، مع أن الهدوء أحيانًا أكثر قسوة وتأثيرًا.
التمثيل كاختبار لا كعرض
لا شك في أن آن–ماري سلامة ممثلة متمكنة من الحفظ والسيطرة الجسدية والانضباط. هذا واضح ولا يُنكر. لكن المسرح ليس اختبارًا في نهاية سنة دراسية. حين يُختزل العرض في ممثلة واحدة ومونولوغ طويل، يصبح النص مطالبًا بصرامة بنيوية عالية. هنا، غياب الممثل الآخر لا يبدو خيارًا فنيًا واعيًا بقدر ما يبدو نقصًا، لأن النص لا يملك تنوّعًا داخليًا كافيًا ليحمل العرض حتى النهاية.
الإخراج وثقة زائدة بالنص
في النصف الثاني، تتراجع المؤثرات السمعية والبصرية بشكل ملحوظ، وكأن هناك رهانًا على أن النص وحده قادر على حمل العرض. إخراج هشام زين الدين يبدو في هذه المرحلة متكئًا على الكلمة أكثر مما ينبغي. المسرح ليس كلامًا فقط، بل صورة وصوت وحركة وإيقاع. حين تُسحب هذه العناصر، ينكشف ضعف البناء، ويظهر أن النص، مهما كان صادقًا، لا يكفي وحده.
الاستعراض بدل الاختيار
السلة التي تحمل صور العائلة والأصدقاء وأسماء معروفة لا تُضيف بعدًا دراميًا بقدر ما تتحول إلى استعراض مباشر. الرسائل تُرسل بلا وجهة، والاتهامات تُلقى بلا صياغة فنية دقيقة. النص يصبح أقرب إلى سرد طويل يفتقد البوصلة، خليطًا من الدراما والكوميديا والهجوم، من دون قرار واضح عمّا يريد أن يكونه.
مشهد مؤثر… مُستنزف
بعض المشاهد تمتلك أثرًا عاطفيًا قويًا، خصوصًا تلك المرتبطة بالطفولة والهشاشة. لكنها تُستنزف بالإطالة. المشهد المؤثر حين يُمدَّد أكثر مما يجب، يفقد أثره، ويتحوّل من لحظة صادمة إلى عبء. هنا يفشل النص في معرفة متى يتوقف، ومتى يترك للمتفرج مساحة للتأمل.
الخلاصة: صدق بلا صياغة مسرحية
المشكلة في مسرحية الحبل ليست في النوايا ولا في الجرأة ولا في التمكّن التمثيلي لآن– ماري سلامة. المشكلة في غياب الاختيار، وفي الاعتقاد بأن قول كل شيء يصنع قوة. المسرح ليس سيرة ذاتية مطوّلة، ولا جلسة علاج علنية، ولا استعراض مهارات. المسرح فن البناء والاقتصاد وتحويل الألم إلى شكل. وحين يغيب الشكل، يبقى الكلام وحده، صاخبًا، مثقلًا، ومتعبًا.
شربل الغاوي
مخرج وصحافي وناقد سينمائي