
القرنة البيضا: مسرحية تقول أكثر مما تحتمل الخشبة – شربل الغاوي
عرض يبدأ بالقوة لا بالتمهيد
القرنة البيضا تدخل الخشبة بثقة عالية، كعمل يعرف مسبقًا ما يملكه من أدوات، ولا ينتظر أن يكتشفها أمام الجمهور. إخراج يحيى جابر لا يمهّد ببطء، بل يندفع مباشرة نحو الأداء والصوت والإيقاع، كأن العرض قرّر منذ اللحظة الأولى أن يقول كل ما لديه دفعة واحدة. هذا الاندفاع يمنح العمل طاقة واضحة، لكنه يزرع في داخله خوفًا غير معلن من الصمت، ومن الفراغ، ومن الاكتفاء بالقليل.
نص مكتوب للقدرة لا للشخصية
النص الذي يقدّمه يحيى جابر يبدو مفصّلًا على قياس ماريا الدويهي، لا من باب المجاملة، بل من باب المعرفة الدقيقة بإمكاناتها. الكتابة هنا واعية لقوتها الصوتية، ولمهارتها في التحوّل بين الحالات، ولقدرتها على الإمساك بالخشبة وحدها. غير أن هذه المعرفة تتحوّل أحيانًا إلى سيف ذي حدّين: فالنص يراهن على القدرة أكثر مما يراهن على مسار درامي متماسك، ويجعل الاستعراض غاية بحد ذاته، لا أداة لخدمة فكرة واحدة عميقة.
اللكنة: هوية صادقة وحدود قاسية
يعتمد العرض على لكنات البلدات اللبنانية، وخصوصًا بيئة شمالية محددة، في خيار جريء لا يهادن ولا يجمّل. هنا يبرز ذكاء يحيى جابر في التقاط التفاصيل المحلية، ويبرز في المقابل تمكّن ماريا الدويهي من تحويل اللكنة إلى أداة تمثيل لا إلى نكتة جاهزة. لكن هذا الخيار نفسه يرسم حدود التلقي: فالكوميديا المبنية على اللكنة ليست جامعة بطبيعتها، وهي تفترض جمهورًا يعرف البيئة أو عاشها. لذلك تتفاوت الضحكات، ويتحوّل التفاعل إلى ردود فعل متباينة، لا إلى موجة واحدة تجمع الصالة.
حركة دائمة بلا مركز
يتنقل العرض بين حالات متعددة، من الفكاهة إلى الحنين، ومن الحزن إلى التوتر، ثم يعود إلى السرد. هذا التنقل يمنح العمل حيوية ظاهرية، لكنه يحرمه من مركز ثقل واضح. لا ذروة واحدة تُبنى وتُنتظر، بل سلسلة محطات، كل محطة تحمل فكرة أو إشارة أو رسالة. كثرة هذه المحطات تشتّت الأثر، لأن المشاهد لا يُمنح الوقت الكافي ليقيم في معنى واحد حتى نهايته.
حين تتقدّم المشهدية على الكلام
في لحظات معيّنة، ينجح إخراج يحيى جابر في كسر ازدحام النص عبر الصورة والموسيقى. هنا، يتنفّس المسرح فعلًا. الإيقاع يهدأ، والكلام يتراجع، ويصبح الإحساس هو اللغة الأساسية. في هذه اللحظات، تظهر قدرة العرض على الوصول إلى عمق أكبر لو أنه وثق أكثر بالاقتصاد التعبيري، وقلّل من الحاجة الدائمة إلى الشرح والتفسير.
الحنين بوصفه إشارة لا استعراضًا
الإحالات إلى الذاكرة الفنية اللبنانية تأتي ذكية وخفيفة. لا تُستخدم كوسيلة سهلة لاستدرار العاطفة، بل كإشارة مرور عابرة، كتذكير بزمن وصوت شكّلا وعيًا جماعيًا. هذه اللمسات تعمل لأنها لا تطلب التصفيق، ولا تتضخم على حساب السياق العام، بل تمرّ وتترك أثرها بصمت.
الغناء: جمال يربك الإيقاع
صوت ماريا الدويهي حاضر بقوة وجمال، ولا شك في ذلك. لكن السؤال المسرحي ليس عن جودة الصوت، بل عن ضرورته الدرامية. في بعض المقاطع، يبدو الغناء إضافة زمنية أكثر منه إضافة فكرية، فيطيل العرض من دون أن يعمّق معناه. ليس مطلوبًا من عمل واحد أن يستعرض كل مواهب ممثلته، فالمسرح لا يُقاس بعدد القدرات المعروضة، بل بمدى انسجامها مع الفكرة الأساسية.
تفاصيل ذكية تتزاحم
النص مليء بملاحظات اجتماعية دقيقة، وبمفارقات لاذعة تحمل نقدًا مبطنًا للعلاقات والذهنيات السائدة. كل تفصيل في ذاته ذكي وقادر على الوقوف وحده. لكن المشكلة تكمن في التراكم. حين تتكدّس الأفكار من دون اختيار صارم، تفقد حدّتها. النقد، حين يُقال كثيرًا، يتحوّل من ضربة مركّزة إلى وخز متواصل، يرهق المتلقي بدل أن يهزّه.
أداء متماسك ينقذ العمل
أداء ماريا الدويهي هو العمود الفقري للعرض. تمكّن واضح، سيطرة كاملة على الأدوات، وقدرة على الانتقال بين الحالات من دون الوقوع في المبالغة أو الكاريكاتور. في الكوميديا، في الحزن، وفي التحوّل بين النبرات، تبقى ممسكة بالخيط. هذا التماسك هو ما يحمي العمل من الانزلاق الكامل إلى الفوضى، ويمنحه شرعية فنية واضحة.
الزمن: حين يطول أكثر مما يحتمل المعنى
مع مرور الوقت، يبدأ الإحساس بأن العرض قال ما لديه. الإيقاع يهبط، وتظهر محاولات رفعه عبر التكثيف القسري أو رفع الصوت. هنا، يصبح الزمن عبئًا لا مساحة. ليس لأن المادة ضعيفة، بل لأنها استُهلكت. المسرحية لا تنتهي حين يجب أن تنتهي، بل حين تنفد طاقتها، وهذا فارق جوهري في المسرح.
جُمل قوية بلا مسار جامع
يضم العمل عبارات لافتة وقوية لغويًا، لكنها تأتي منفصلة، كحِكَم متناثرة لا كنتاج لمسار درامي واضح. المشكلة ليست في الجملة نفسها، بل في غياب البناء الذي يجعلها نتيجة طبيعية لا شعارًا عائمًا. المسرح لا يعيش بالجمل وحدها، بل بالطريق الذي يقود إليها.
خاتمة: الحاجة إلى شجاعة الحذف
القرنة البيضا، بنص وإخراج يحيى جابر، وبأداء ماريا الدويهي، عمل غني، وربما غني أكثر مما يجب. يملك طاقة وجرأة وحضورًا أدائيًا عالي المستوى، لكنه يفرط في القول. القوة هنا حقيقية، لكنها غير منضبطة. ولو امتلك النص شجاعة الحذف، ولو اختار أقل ليقول أكثر، لكان الأثر أعمق وأبقى. في المسرح، ليس المهم كم فكرة نطلق، بل أي فكرة نتركها تقيم في الذاكرة. لأن ما يبقى في النهاية، ليس الوفرة، بل الأثر.
شربل الغاوي
مخرج وصحافي وناقد سينمائي