Charbel El Ghawi Sawt El Fan

.

شربل الغاوي صوت الفن

تانيا قسيس… سيادة الصوت.. وطن يُغنّى في الميلاد – شربل الغاوي

تانيا قسيس

تانيا قسيس… سيادة الصوت.. وطن يُغنّى في الميلاد – شربل الغاوي

في ليلةٍ دافئة، كأنها خرجت عن قصد من تقويم الشتاء، لم يكن الميلاد موعدًا عابرًا ولا حفلًا يُؤدّى ثم يُطوى. كان فعل اعتراف بلبنان، ونداء موجّهًا إلى أبنائه حيثما تفرّقوا على خرائط الغياب، كأن الصوت وحده يعرف طريق الرجعة حين تغلقه المسافات.

على المسرح، لم تقف تانيا قسيس كمطربة فحسب، بل كحقيقة صوتية تُدرك أن الغناء إذا قيل بصدق يسبق الخطابات ويهزمها، وأن الموسيقى حين تُنطق من مكانها الصحيح تصبح وطنًا مؤقّتًا يُؤوي قلوبًا بلا مأوى.

منذ الجملة الأولى ينهض السؤال الذي يربك الأذن ويُسكت العقل.

هل هذا صوت مباشر أم تسجيل شديد الإتقان؟

وهنا تبدأ الندرة، لا لأن الصوت صارخ أو مستعرض، بل لأنه محكم إلى حد يقتل الشك. ثابت إلى درجة تبدو معها الهفوة مستحيلة، واثق إلى حد لا يحتاج فيه إلى مرافعة أو إثبات.

هذا ليس تحكمًا بالمعنى التقني فقط.

إنه تحكم بوعي النفس، وبهيبة اللحظة، وبأخلاق الأداء. تعرف متى تضغط على النغمة لتصبح معنى، ومتى تتركها تتنفّس لتصبح حياة. تعرف كيف تمسك الجملة من قلبها لا من حافتها، فتخرج دافئة مستقرة إنسانية بلا حدّة مجانية ولا زينة زائدة. صوت لا يُستخدم كسلاح للاستعراض، بل يُعامل كجسد له كرامته ولا يصرخ كي يُصدَّق.

في الغناء الحي التفاصيل خائنة.

نَفَس زائد يفضح خوفًا، ارتجاف صغير يكشف هشاشة، استعجال يعرّي توترًا، إمساك بالنغمة من طرفها لا من روحها.

مع تانيا قسيس لا شيء يفضح شيئًا.

الصوت يمشي كما يمشي من يعرف طريقه في العتمة، بخطوة ثابتة بلا تردّد. لا يتكئ على مؤثرات تُلمّع، ولا يستعير حضورًا من الفرقة، بل يقودها بهدوء لا يُستفز. تلك الثقة النادرة التي لا تُشترى ولا تُتدرّب في أسبوعين، ثقة تُبنى سنوات وتُدفع أثمانها في صمت الكواليس قبل أن تُقطف على المسرح.

في Ave Maria لم يكن الأداء تلاوة كلاسيكية تُعاد كما هي. كان امتحانًا أخلاقيًا للصوت نفسه.

هل تستطيع أن تُغنّي القداسة بلا تكلّف؟

أن ترفع النغمة من دون أن ترفعها فوق الناس؟

أن تلامس السماء من غير أن تُهين الأرض؟

وهنا كانت تانيا في أقسى درجات الصفاء. صوت مستقيم شفاف كأنه يعرف أن أعظم الجمال أحيانًا هو الامتناع عن الزينة، وأن ترك اللحن يقول ما لا تُطيقه اللغة.

أما حين وصل الدور إلى لبنان صار الغناء أخطر.

الغناء للوطن سهل حين يكون شعارًا ومفزع حين يكون حقيقة.

في وطني وبتتلج الدني يا لبنان لم تكن تُلقي أغنية لتقتنص دمعة، بل كانت تُعيد الأغنية إلى وظيفتها الأصلية، مرآة وجع مشترك لا منصة خطابة. لم ترفع الصوت حيث يجب أن يُهمس، ولم تُهمس حيث يجب أن يُقال الكلام بوضوح. كانت تعرف حد العاطفة كي لا تتحوّل إلى ابتزاز، وحد القوة كي لا تتحوّل إلى ضجيج. وهذا ما لا يملكه كثيرون، أن تعرف كيف تبكي من دون أن تتسوّل بكاء الجمهور.

التنقّل بين العربي والإنجليزي والإسباني لم يأت كعرض عضلات لغوية ولا كزينة عالمية تُضاف فوق الهوية. جاء طبيعيًا كحال اللبناني نفسه، يحمل أكثر من لسان لكنه لا يبدّل قلبه. اللغة تتغيّر أمّا النبرة فتبقى واحدة، نبرة امرأة تعرف من أين تأتي ولمن تغنّي ولماذا لا ترفع صوتها أكثر مما يلزم، لأن من يملك السيطرة لا يحتاج إلى الارتفاع.

حتى الجسد على المسرح كان منضبطًا بذكاء.

لا حركات فائضة تُغطي نقصًا، لا استعجال يبحث عن لقطة، لا لعب على الإيماءات كي تُفهم الرسالة. كل شيء في مكانه، لأن الثقة الحقيقية لا تُشير إلى نفسها. الثقة الحقيقية تتصرّف كأنها أمر طبيعي، بينما هي في الحقيقة معجزة صغيرة.

ولوحات الرقص لم تكن تفصيلًا تزيينيًا، بل امتدادًا للمعنى. أجساد تتحرّك كأنها تترجم ما يعجز عنه الصوت أحيانًا، فرحًا مكسورًا، حنينًا راقصًا، وميلادًا يأتي على أطراف الخوف. كانت الصورة تشارك الصوت لا تنافسه، وتُكمّل مناخ ليلة قرّرت أن تكون صلاة من نوع آخر، صلاة على إيقاع الفن.

في زمن صار فيه الغناء سباقًا، والصوت صراخًا، والقوة علوًا بلا روح، جاء هذا الحفل ليقول بهدوء موجع إن القوة ليست أن تصرخ بل أن تملك نفسك.

وأن أعظم ما يفعله الصوت أحيانًا ليس أن يهزم الضجيج، بل أن يُعيدك إلى الصمت كي تُصغي.

هكذا غنّت تانيا قسيس في تلك الليلة.

بصوت لا تعرف إن كان تسجيلًا أم حياة.

وبثقة لا يملكها إلا القليل.

ثقة من يعرف أن الصوت حين يكون صادقًا لا يحتاج إلى أي دليل، لأن الصدق وحده يكفي.

شربل الغاوي

مخرج وصحافي وناقد سينمائي