
حين يتكلّم الفنّ بلغة الاستقلال – شربل الغاوي
بمناسبة عيد الاستقلال اللبناني اجتمع أكثر من سبعين فنانًا من مختلف المناطق تحت سقف معرض واحد وحمل كلّ واحد منهم الأرزة في قلبه قبل أن يحملها على قماشه. طُلب منهم أن يرسموا لبنان كما يشعرون به لا كما يُفسَّر وأن يتركوا للريشة شرف قول ما لم يقله أحد بعد. فالإستقلال ليس مجرّد ذكرى، بل جرحٌ جميل نقف عليه كل يوم من جديد.
فاشتعلت القاعات بلوحات لا تشبه إلا لبنان. أرزٌ يُنهض النار، طيورٌ تولد من الرماد، صلوات ضوء، جذور تحرسها يد الله، ووجوه رموز تحوّلت إلى ذاكرة لا تموت. هنا لا يصبح الفنّ ترفًا بل يصبح الحقيقة الوحيدة القادرة على الوقوف في وجه الانهيار والشهادة بأن هذا البلد مهما هُزم يخرج من نفسه أقوى.
هذه جولة على بعض تلك اللوحات… أعمال لا تُرى بل تُحسّ. لا تُقرأ بل تُقاتل. فيها يتكرّس لبنان مرة أخرى: وطنٌ يتقن النهوض كما يتقن الفنّ.

طائر ينهض من قلب الأرزة بريشة غادة داغر
في لوحة غادة داغر تبدو الأرزة ظلًّا ثابتًا في عالم يتحوّل فيما يشقّ طائرٌ من ذهب فضاءها كشرارة خلق جديدة.
ليس طائرًا عابرًا بل فينيق لبنان نفسه يعود من رماده ليُشعل جناحيه فوق الجذع يلامسه ثم يرتفع كأن النار حين تعبره لا تحرق بل تمنح قيامة.
الذهبيّ هنا ليس لونًا بل لهبًا يذيب العتمة والأزرق ليس ظلًّا بل نثرات نجوم تبحث عن أفق جديد. وفي هذا العناق بين الشجرة والطائر تولد لحظة اعتراف: لبنان يعرف كيف ينهض ولو خرج من حافة الاحتراق.
الأرزة تمنح الطائر جذورها والطائر يمنح الأرزة سماءه. وفي تلاقيهما يولد وطن صغير يعلّق نفسه على الضوء بدل العتمة.
لوحة غادة داغر ليست رسمًا بل حدث ضوئي يُنحت فيه معنى القيامة كتكوين لهذه الأرض لا كحكاية تُروى.

أرزنا للخلود بريشة رنا قازان
رنا قازان لا ترسم أرزة؛ بل تعيد لبنان إلى جوهره الأول.
تجعل الشجرة كائنًا روحيًّا له جذور تفيض بتاريخ شعب صلب وغصون ترتفع كصلوات تشقّ طريقها نحو الملكوت. وفي قلب الهالة السماوية يظهر الأرز كما لو أنه حبيب الله ينبعث من الماء والنار بمعمودية جديدة تجعل الخلود حقيقة تُقام لا وعدًا ينتظر.
رنا لا ترسم طبيعة بل ترسم هوية.
وتهمس في سرّ اللوحة: من أراد أن يرى لبنان فلينظر إلى الأرزة حين تكتب نفسها بالنور.

حين ينهض الأرز من قلب النار كما تراه ماريا سكاف
ماريا سكاف لا تكتفي برسم شجرة؛ بل تدفعها إلى خارج القماش ككيان يرفض الصمت.
تقنية النَّفَر التي تعتمدها تجعل الجذوع بارزة كأنها نبض حيّ يضغط من الداخل نحو الضوء. الذهب المجبول على الأغصان ليس تزيينًا بل ذاكرة وطن يحاول ترميم ذاته. والحمرة المشتعلة خلف الشجرة ليست خلفية بل ندبة زمن لم يلتئم.
ينهض الأرز إلى الأمام لا هاربًا من النار بل متحديًا لها وكأنه يقول:
أنا لا أُحرق… أنا أُعاد خلقه.
لوحة ماريا سكاف تجعل العين تقترب واللمس جزءًا من القراءة. شجرة خرجت من اللوحة أو خرجت من قلب لبنان ذاته… ذاك القلب الذي ينهض كلما ظنّ العالم أنه انتهى.

حين يولد الأرز من قلب الضوء بريشة علا العلم
لوحة علا العلم لحظة خلق متجمّدة في وهج سماوي.
الأرزة لا تنبت من الأرض بل من دائرة نور تحتضنها كرحم مقدّس. ومن أسفل الجذع ترتفع يدان من ذهب لا كعنصر تشكيلي بل كحضور إلهي يرفع الشجرة كأنها وديعة قلبه.
الذهب قداسة والدائرة عهد والأرز قلب موضوع في يد الخالق. لوحة علا العلم لا تُرى بل تُرتّل.
إنها نصّ ضوئي يقول إن الخلود ليس أسطورة بل لمسة من فوق تهبط على جذع الشجرة.

ظلال الخلود تحت أرزة واحدة بريشة سابين برهوم
سابين برهوم تجمع تحت الأرزة أربعة من ركائز الروح اللبنانية: وديع الصافي، فيروز، سعيد عقل، وجبران خليل جبران.
وجوههم ليست بورتريهات بل فصول من كتاب واحد تتوحّد تحت الشجرة كأنها الأم الكبرى التي ولدت الصوت والشعر والحكمة والريح.
الجبال خلفهم واقفة كأنها حراسة زمن والضوء ينزل من أعلى كمعمودية صامتة تبارك الأرزة ومن يقفون في ظلّها.
وعند الجذر يستقرّ الصليب كتوقيع على أن هذه الأرض تحفظ الذين مرّوا فيها أكثر مما تحفظ ما بُني عليها.
لوحة سابين برهوم ليست تخليدًا لأسماء بل توثيقًا لروح وطن عاد بأكمله إلى ظلّ الأرزة ليصبح وجهًا واحدًا للخلود.
الخاتمة
هذا المعرض لم يكن عرضًا للوحات فحسب، بل كان مسابقة لأجمل لوحة.
لكن الحقيقة الأعمق أنّ الجائزة الكبرى لم تفز بها ريشة واحدة، ولا لوحة واحدة، ولا اسم واحد… بل فاز بها لبنان نفسه.
فاز حين وقف أكثر من سبعين فنانًا ليقولوا إن وطنًا مثخنًا بالأوجاع ما زال قادرًا أن يُثمر فنًّا بهذا الجمال، وأن يُنبت أرزات جديدة من قلوب الذين اختاروا البقاء فيه رغم كل شيء.
المسابقة الحقيقية لم تكن على أجمل عمل، بل على أكبر قدر من الحبّ والأمل والانتماء.
فكلُّ هؤلاء الذين رسموا، شاركوا، حضروا، شاهدوا، دعموا، وصفّقوا… كانوا يقولون بصوت غير مسموع:
لبنان ما زال يستحقّ.
وما دام هناك من يصرّ على رسمه… فهو لا يموت.
شربل الغاوي
مخرج – صحافي وناقد سينمائي