Charbel El Ghawi Sawt El Fan

.

شربل الغاوي صوت الفن

رنا قازان… حين تنطق الريشة بلسان المرأة – شربل الغاوي

رنا قازان

رنا قازان… حين تنطق الريشة بلسان المرأة – شربل الغاوي

في فضاء الفن، ثمة لوحات تُرى بالعين، وأخرى تُحَسّ بالقلب، وتلك التي ترسمها رنا قازان تنتمي إلى الفئة الثانية؛ فهي ليست مجرد ألوان تُسكب على القماش، بل صلوات مشتعلة بالزيت، منقوشة بالروح، مكرّسة لتكتب المرأة في كل تجلياتها: كجسد، كأم، كأيقونة، كرمز للوطن، وكحكاية للبشرية جمعاء.

رنا التي أمسكت الريشة وهي في السادسة من عمرها، لم تكن ترسم لتتسلّى، بل كأنها كانت منذ الطفولة تدرك أن الرسم قدرٌ يلازمها، وأن القماشة البيضاء ليست فراغًا، بل وطنًا ينتظر من يسكب فيه ذاكرة وألمًا وأملًا. منذ ثماني سنوات، قررت أن تدخل الاحتراف، وأن تحوّل الموهبة إلى التزام، واللوحة إلى رسالة. والرسالة عندها لم تكن سوى المرأة: نصف العالم وحكايته، صموده وجماله، ضعفه وقوته.

المرأة – بيروت: الجسد كمدينة والمدينة ككائن حيّ

من بين أعمالها، تبرز لوحة “المرأة – بيروت” كصرخة فنية، وكسجلّ بصري لمدينة تساوي امرأة، ولإمرأة تساوي وطنًا.

في هذه اللوحة، الجسد العاري ليس عريًا مبتذلًا، بل عري مدينة كشفتها الحروب، مزّقتها الأزمات، ومع ذلك أنبتت من صدرها ورودًا، ومن قلبها جرحًا يحكي ما لا يقال. الكتفان يحملان ورودًا حمراء وزهرية، كأنهما بستانان يحميان ذاكرة الحياة، فيما الحوض ينفتح على لون قاتم يوحي بجرحٍ ما زال ينزف. فوق الرأس، كلمة “Beirut” تتوّج المرأة/المدينة كإعلان عن الهوية والقدر.

لكن سرّ هذه اللوحة يتجاوز تفاصيلها الظاهرة ليصل إلى القدمين والساقين المرسومتين بعكس اتجاههما الطبيعي. هنا يكمن العمق الرمزي: بيروت التي لم تعد تعرف يقين الأرض، مدينة فقدت توازنها، تسير بخطى معكوسة لكنها لا تزال واقفة. هذا الانقلاب التشكيلي يرمز إلى اهتزاز الجذور، وإلى الارتباك الذي يعيشه الوطن حين يصبح كل شيء مقلوبًا: المأساة أملًا، الخراب حياة، والجرح بذرة ولادة جديدة. ومع ذلك، تقف المرأة–بيروت بثبات، كأنها تكتب من جسدها بيانًا عن الصمود: “حتى لو انقلب الطريق، سأمشي.”

البورتريه… البحث عن الحقيقة

في فن البورتريه، تمتلك قازان قدرة نادرة على سحب الحقيقة من وراء الملامح. لا ترسم الوجه لتجمّله، بل لتحوّله إلى مرايا تكشف الداخل. العيون عندها ليست مجرد تفاصيل تشريحية، بل نصوص مكتوبة باللون. ابتسامة عابرة قد تتحوّل تحت ريشها إلى قصيدة ألم أو حلم مؤجّل. التجاعيد ليست عيبًا بل وثيقة عمر.

ولعل هذا ما يجعل بورتريهاتها مختلفة: إنّها لا تبيع الجمال المزيّف، بل تُقدّم الصدق كجمالٍ أوّل وأخير.

أيقونات القداسة: حين يتقدّس اللون

ثلاث من لوحاتها حملت جوائز عالمية، ليس لأنها متقنة الأسلوب فحسب، بل لأنها تحمل الروح. العذراء مريم وهي تضم طفلها، أيقونة دينية تفيض بالأمومة، تتحوّل عند قازان إلى لوحة حياة، إلى حضن يحاكي كل إنسان فقد أمه أو افتقد دفء الطفولة.

وسيدة لبنان المطلّة على خليج جونية، ليست تمثالًا صامتًا بل كيان حيّ يطلّ بعينيه على المدينة والبحر، كحارسة أبدية للوطن. هنا، تختلط الرمزية بالواقعية، ليولد فنّ يزاوج بين الإيمان والانتماء.

المرأة ككفاح وجمال

رنا قازان تعرف أن المرأة ليست مجرد جسد للعرض، بل طاقة حياة. لذلك، نرى الراقصة تقفز أمام الباب الخشبي العتيق، كأنها تقول إن الفن قادر أن يكسر أبواب الزمن المقفلة. ونرى المرأة الراقصة أمام المرآة في حضرة العين الساهرة، كأنها تكشف صراعها بين ذاتها الداخلية ونظرة المجتمع.

أما لوحة المرأة مع الحصان، فهي لقاء بين رهافة الأنوثة وقوة الحيوان، بين جمال التاج وأناقة الفستان وبدائية الطبيعة الصافية. كلها مشاهد تجعل من المرأة مركز اللوحة، لا كزينة، بل كرسالة: أنتِ الحرية، أنتِ القوة، أنتِ الجمال الكامن خلف كل وجع.

بين الجسد والروح: ثنائية الفن

ما يميّز أعمال قازان أنّها تمشي دائمًا على الحد الفاصل بين الروح والجسد. جسد المرأة حاضر في معظم أعمالها، لكن ليس كجسد شهواني، بل كجسد رمزي: جسد يحمل صرخة مدينة، أو أنوثة راقصة، أو ألم أم، أو انتصار مقاتلة خفية. وفي المقابل، تحضر الروح في لوحات الملاك ذي الأجنحة البيضاء، والحمامة التي ترفرف من نور السماء، كأنها تقول: “الجسد إلى التراب، لكن الروح تظلّ أبدية.”

رسالة الفن: دعم المرأة

الفن عند رنا ليس زينة جدارية، بل موقف ورسالة. هي تُعلّم “Art of Soul” في زحلة، لتُدرّب آخرين على أن يسكبوا أرواحهم على القماش. وهي في كل لوحة ترفع صوتًا واحدًا: المرأة ليست ظلًّا ولا تفصيلًا، المرأة كائن كامل، يستحق أن يُرى وأن يُسمع، وأن يُحتفى بجماله وكفاحه.

خاتمة: حين تصبح اللوحة صوتًا

رنا قازان لا تترك لوحاتها أسيرة القاعات أو المعارض، بل تجعلها رسائل مفتوحة للعالم. كل وجه ترسمه هو سيرة، وكل جسد هو نصّ، وكل زهرة هي رمز. في زمنٍ يحاول إسكات المرأة، تأتي ريشة رنا لتقول العكس: المرأة هي النصّ الكامل، هي المدينة، هي الوطن، هي الأيقونة، وهي الإنسان.

وهكذا، لا يبقى فنها ترفًا بصريًا، بل يتحوّل إلى شهادة جمالية ووجودية، تقول للعالم إن المرأة ليست فقط نصف المجتمع، بل روحه الكاملة.

الناقد السينمائي شربل الغاوي.

Leave a comment