
شتي فرح لساندرا يوسف: سيمفونية الفرح والحلم المتجدد
في عالم الموسيقى، هناك أعمالٌ تتسلل إلى القلب بلا استئذان، تُشبه المطر الأول بعد جفاف طويل، تنثر الفرح كما لو أن الأرض خُلقت للتو، ويبدأ الكون عزف سمفونيته الخاصة. هكذا جاءت أغنية “شتي فرح” للفنانة اللبنانية ساندرا يوسف، كقصيدة غنائية تحمل في طياتها نغماً أصيلاً ونصاً يفيض بالأمل والتجدد، كتب كلماته جودان بيكار، ووضع لحنها ووزعها موسيقياً الفنان خالد الحمد.
البداية الموسيقية: حين تتحدث النغمات قبل الكلمات
قبل أن تبدأ ساندرا يوسف بالغناء، تأخذنا المقدمة الموسيقية في رحلةٍ ساحرة، حيث تأتي الألحان هادئةً ورقيقة، تحمل عبق الماضي الجميل، وكأنها تفتح بابًا على ذاكرة الزمن، حين كان اللحن لغة المشاعر الصافية. تلك البداية الطويلة ليست مجرد تمهيدٍ للأغنية، بل هي لوحة موسيقية قائمة بذاتها، تتحدث بلسان القانون والناي والرق، وتعزف قصةً تشبه المطر حين يلامس الأرض العطشى.
القانون، تلك الآلة التي تحمل نكهة الشرق، ينسج بخيوطه الدقيقة نغماتٍ تنساب برقة، كأنامل فنانٍ تلامس سطح اللوحة لترسم تفاصيلها الأولى. يتهادى الناي بحنانه وشجنه، صوته العميق يهمس للذكريات، يستدعي الأحلام البعيدة لتقترب، وكأنه نسيم الفجر يمرّ عبر الأغصان الحزينة. ينساب العود بأوتاره الحريرية، صوته الدافئ يلتف حول الألحان كخيطٍ يربط بين الماضي والحاضر، يداعب الأذن برنينه العذب، فتشعر كأنك تسير في أزقةٍ قديمة تعبق برائحة الياسمين.
تتداخل الأصوات، يتعانق العود مع القانون، ويجاوبهما الناي، حتى تأتي لمسة الكمان والتشيلو، فتمنح المشهد عمقًا دراميًّا يلامس القلب، كأنها ظلال المساء تمتد فوق بحرٍ هادئ. وحين يدخل الرق، بخفته وارتعاشه الرقيق، كقطرات مطرٍ تتراقص على زجاج نافذة، تكتمل اللوحة الموسيقية، حيث يتناغم الإيقاع مع اللحن، ويولد نسيجٌ موسيقيٌّ يجمع بين الشجن والجمال في آنٍ واحد، كقصيدةٍ تُلقى على ضوء قمرٍ يطلّ على مدينة نائمة.
الكلمات: احتفاءٌ بالحياة وتحررٌ من الأحزان
يا هالدنيي شتي فرح … بهذه الجملة البسيطة، تفتح الأغنية أبوابها، وكأنها دعاءٌ للسماء أن تمطر سعادة بدلاً من الحزن، أن تُزهر الوردات بدلًا من الذكريات الجافة. إنها ليست مجرد كلمات، بل فلسفة حياة، رؤيةٌ فنية تجسد الانطلاق نحو المستقبل دون قيود الماضي.
تقول ساندرا يوسف في الأغنية
قلبي أنا وسع الفضا.. عم رقص الغيمات
وهنا يكمن سحر النص، فالقلب لم يعد مجرد عضو ينبض، بل أصبح فضاءً بلا حدود، يرقص الغيوم كما لو أنه قادرٌ على تغيير حركة الكون ذاته. إن هذا التعبير ليس مجرّد استعارة شعرية، بل هو تجسيدٌ لعقلية المتفائل، ذاك الذي يؤمن بأن الحياة يمكن أن تتراقص على نغمة الفرح، لا على وقع الألم.
ثم تستمر الأغنية في رسم ملامح الحلم الجديد
ودعت من عمري الشقا.. راح أعيش وما عاتب بقا
وهنا تكمن قوة التحول، الانتقال من العتاب والتعلق بالماضي إلى احتضان المستقبل بكل تفاصيله، دون الالتفات إلى ما كان. إنه قرارٌ بالتحرر، بالانطلاق نحو حياةٍ لا قيود فيها، حيث تكون الأماني والابتسامات هي عنوان الأيام القادمة.
ثم تأتي الجملة الفاصلة، التي ترسم صورة المستقبل الذي تريده البطلة
بكرا إلي راح أرسمه.. طير وسما وتلون البسمات
هنا تتحول الرؤية إلى لوحةٍ زاهية الألوان، حيث المستقبل ليس مجهولًا ولا عشوائيًا، بل هو مشهدٌ قابلٌ للرسم، قابلٌ للتلوين، وكأن صاحبة الأغنية تمسك بريشة الفنان وترسم غدها بيدها، فتجعله كما تحب، مملوءًا بالحرية، بالتحليق، بالفرح الذي لا حدود له.
اللحن: حوارٌ بين الحنين والتفاؤل
يأتي اللحن كجسرٍ بين الكلمة والإحساس، يحمل روح التراث لكن بروحٍ متجددة، لا تكرر نفسها بل تتنفس الحياة مع كل نغمة. لحن خالد الحمد ليس لحنًا تقليديًا، بل هو مزيجٌ بين أصالة الموسيقى الشرقية وحداثة التوزيع المعاصر، فهو يعتمد على بنية لحنية تتصاعد تدريجياً، تُشبه قوس قزح بعد المطر، تبدأ ناعمة، ثم تتوسع شيئًا فشيئًا حتى تصل إلى ذروتها عند تكرار اللازمة:
بكرا إلي راح أرسمه.. طير وسما وتلون البسمات
هذه الجملة اللحنية تأتي في أعلى نقطة درامية في الأغنية، حيث يصل الإحساس إلى أقصى درجاته، ويصبح الصوت أكثر إشراقًا، وكأنها لحظة انتصارٍ على الماضي، إعلانٌ رسمي بأن الحياة تبدأ الآن.
التوزيع الموسيقي: حين تتكامل الآلات لرسم المشهد
توزيع الأغنية لم يكن مجرد خلفية موسيقية، بل كان أحد أبطال القصة. استخدم خالد الحمد العود ليحمل عبق التراث، ثم جاء الناي ليمنحها بعدًا وجدانيًا، بينما لعب القانون دورًا مهمًا في خلق التوازن بين العاطفة والعقل. أما الكمان والتشيلو، فقد أضافا العمق والدراما، خاصة في لحظات الصعود والانفعال. ثم جاء الرقّ ليكون النبض، الحركة التي تجعل الأغنية تنبض بالحياة، وكأنها قلبٌ يخفق بشدة كلما اقتربت النهاية.
ساندرا يوسف: صوتٌ يبعث الدفء
لا يمكن الحديث عن الأغنية دون التوقف عند أداء ساندرا يوسف، التي لم تغنِّ فقط، بل عاشت كل كلمة، كل نغمة، كما لو أنها كانت تكتب الأغنية بصوتها لا بحروفها. صوتها جاء دافئًا، ناعمًا حين يجب أن يكون كذلك، وقويًا حين تطلبت اللحظة الموسيقية ذلك. لم يكن أداءً استعراضيًا، بل كان صادقًا، وهو ما جعل الأغنية تلمس القلب مباشرة.
الخاتمة: “شتي فرح”.. أغنية ليست كغيرها
في زمنٍ تمتلئ فيه الموسيقى بالأعمال التجارية الباهتة، تأتي “شتي فرح” كنسمةٍ ناعمة، تحمل معها روح الفن الأصيل، لكنها لا تبتعد عن روح العصر. إنها أغنيةٌ تُشبه أولى نسمات الربيع، تُذكرك أن الحياة تمضي، وأنك قادرٌ على رسم مستقبلك بألوانٍ جديدة.
هي ليست مجرد أغنية، بل رسالةٌ، دعوةٌ لأن نغني مع الحياة، بدلًا من أن نحزن عليها.
الناقد السينمائي شربل الغاوي.
Leave a comment