Charbel El Ghawi Sawt El Fan

.

شربل الغاوي صوت الفن

جوانا خلف في ٢٤ ساعة.. على خشبة المسرح، حين تصبح الحياة كازينو للقدر – شربل الغاوي

جوانا خلف

جوانا خلف في ٢٤ ساعة.. على خشبة المسرح، حين تصبح الحياة كازينو للقدر

في عتمة الكازينو، حيث تلتقي المصائر وتتلاشى الحدود بين الصدفة والقدر، تنبض مسرحية “٢٤ ساعة” بالحياة، محولةً الخشبة إلى مرآة تعكس هشاشة الإنسان وصراعه مع ذاته. هذه المسرحية، المقتبسة من رواية ستيفان زفايغ، تُقدَّم برؤية إخراجية تحمل بصمة يي شان، بينما تتألق جوانا خلف في أداء استثنائي، حيث تتقمص أدوارًا متعددة، متنقلةً بسلاسة بين شابٍ وفتاة، مستحضرةً في كل لحظة مزيجًا من المشاعر التي تجتاح الروح البشرية.

على مدار ٢٤ ساعة، تدور أحداث المسرحية داخل الكازينو، المكان الذي يصبح أكثر من مجرد فضاء للعب والمقامرة، إذ يتحول إلى ساحة للرهانات المصيرية، حيث يضع الإنسان قلبه، قراراته، ومصيره على طاولة الاختبار. هنا، لا يتعلق الأمر بالمكاسب والخسائر المالية، بل بالمصائر الإنسانية، باللحظات الحاسمة التي يمكن أن تغيّر مجرى حياة كاملة.

المسرح.. كازينو الحياة

منذ اللحظة الأولى، ينغمس الجمهور في أجواء الكازينو، حيث يتكامل الديكور مع الإضاءة والموسيقى ليخلق عالمًا قائماً بذاته. الطبلة تدق كنبض القدر، طاولة اللعب تُمثل مجازفة الإنسان باختياراته، فنجان الفودكا يرمز إلى محاولات الهروب من الواقع، بينما تعكس الشاشة والكاميرا انزلاق الإنسان بين الحقيقة والوهم. هذه العناصر ليست مجرد تفاصيل شكلية، بل هي رموز تحمل في طياتها رسائل عميقة حول طبيعة الحياة ذاتها، حيث تتداخل الأقدار، وتتقاطع المسارات، وتصبح القرارات رهانات تحدد المصير.

إن الكازينو في المسرحية ليس فقط مكانًا للألعاب، بل هو استعارة للحياة نفسها، حيث تتحول العلاقات البشرية إلى رهانات، والمواقف إلى اختبارات مصيرية، والقرارات إلى مقامرات قد تؤدي إلى الخلاص أو إلى الهلاك. إنه عالم مشحون بالتوتر، يضع الإنسان في مواجهة نفسه، حيث يجد نفسه عالقًا بين الإغراءات والمخاطر، بين الحلم والانكسار، بين الأمل واليأس.

مونولوج يجسد صراعات الذات

تعتمد المسرحية على التمثيل التعبيري والمونولوج المسرحي، حيث تتحرك جوانا خلف كأنها ظلٌ يتشكل وفق تقلبات الحكاية، متنقلةً بسلاسة بين الأدوار المختلفة. في لحظة، هي الشاب الذي يبحث عن خلاصه وسط دوامة الحياة، وفي لحظة أخرى، هي الفتاة الواقفة عند حافة الضياع، ثم تتحول إلى صوت الضمير، إلى النداء الداخلي الذي يحاول انتشال الإنسان من سقوطه المحتوم.

يُضاف إلى الأداء الحي تعليق صوتي يهمس من خلف الكواليس، كأنه صوت العقل الباطن، أو كأنه تحذير من المجهول، بينما تتداخل المؤثرات السمعية مع اللحظات الدرامية، فتخلق حالة من التوتر والترقب تشبه ما يعيشه المقامر قبل أن يلقي نرده الأخير. كل كلمة، كل إيماءة، كل سكون يحمل دلالة، ويعمّق من الإحساس بالضياع الذي يعيشه أبطال المسرحية، تمامًا كما يعيشه كل إنسان في لحظات الشك والتردد.

الرقص.. لغة الجسد حين يعجز اللسان

لا تقتصر المسرحية على الحوار فحسب، بل تمتد إلى لغة الجسد، حيث يصبح الرقص التعبيري أداة أساسية في نقل المشاعر والصراعات الداخلية. الحركات ليست عشوائية، بل مدروسة بدقة لتعكس الحيرة، الخوف، التردد، والانجذاب نحو الهاوية. في لحظات معينة، يبدو الرقص كأنه امتداد للأفكار، كأن الشخصيات تمشي فوق خيط رفيع بين الخلاص والضياع، بين الإيمان والانهيار.

الجسد في هذه المسرحية يتحدث بلغة لا تحتاج إلى ترجمة، إذ تعبر الحركات عن أحاسيس قد تعجز الكلمات عن نقلها. إن الصراع الداخلي، التردد بين القرار والخيار، والانجراف في دوامة الحياة، كلها تتجسد عبر الحركات، لتصل إلى المشاهد بشكل أقوى وأعمق مما قد تفعله الحوارات الطويلة.

حين يكون الإيمان هو الرهان الأكبر

جوهر المسرحية يكمن في رسالتها العميقة: في لحظات السقوط، قد يضع الله في طريقنا شخصًا يكون طوق نجاة، لكن القرار يبقى لنا، إما أن نتمسك بالحياة ونبحث عن خلاصنا، أو أن ننزلق إلى الهاوية دون مقاومة.

تطرح المسرحية تساؤلًا وجوديًا مهمًا: هل يستطيع الإنسان أن يغيّر مصيره؟ أم أن بعض الخيارات تُحدد سلفًا، مثل لعبة النرد التي قد تأتي بالربح أو بالخسارة، ولكنها تبقى خاضعة لقوانين الحظ والقدر؟ هنا، يتجلى الإيمان باعتباره الرهان الأكبر، العنصر الوحيد الذي يمكن أن يمنح الإنسان القدرة على تغيير مساره، على اختيار الخلاص بدلًا من الضياع، وعلى مقاومة السقوط بدلًا من الاستسلام له.

إنها مسرحية تُعرّي النفس البشرية، تكشف كيف أن البعض قد يجد طريقه إلى النجاة عبر الإيمان، بينما يختار آخرون الهروب، ليس فقط من الحقيقة، بل من أنفسهم أيضًا. وهكذا، يصبح الكازينو تجسيدًا للحياة بكل تناقضاتها، حيث تتداخل المصائر، وتتقاطع الاختيارات، ويجد الإنسان نفسه مضطرًا إلى اتخاذ قرار قد يحدد مستقبله إلى الأبد.

جوانا خلف.. نجمة مسرحية من الطراز الثقيل

في أداء يُجسد قمة الاحترافية، تثبت جوانا خلف أنها فنانة من الطراز الرفيع، تمتلك القدرة على شد انتباه الجمهور وإبقائه على حافة الترقب حتى اللحظة الأخيرة. تتلاعب بالمشاعر كما يتلاعب المقامر بالأوراق، تتنقل بين الشخصيات بسلاسة، تجعل كل لحظة حية، نابضة، كأنها جزء من تجربة حقيقية يعيشها المشاهد.

كل تفصيلة في أدائها مدروسة بدقة، من نبرة الصوت إلى تعبيرات الوجه إلى حركة الجسد، مما يجعل حضورها طاغيًا على الخشبة، قادرًا على نقل أعمق المشاعر بأقل الكلمات. إنها ليست مجرد ممثلة تؤدي دورًا، بل هي روح تتماهى مع القصة، تعيشها، تنقلها إلى الجمهور بكل أبعادها، وتجعله يشعر وكأنه داخل اللعبة، يخوض الرهان نفسه، ويعيش التوتر ذاته.

ختامًا.. المسرح مرآة الحياة

٢٤ ساعة تجربة نفسية وفكرية مكثفة، دعوة للتأمل، ورسالة عميقة عن جوهر الإنسان واختياراته. إنها مسرحية تُعيد إلينا حقيقة أن بعض اللقاءات قد تغيّر مصائرنا، وأن الحياة، مثل الكازينو، قد تكون ساحة للرهانات، حيث تتداخل المصائر، وتتشابك القرارات، ويبقى السؤال الأكبر مطروحًا: هل نختار الخلاص أم نغرق في الوهم؟

إنها ليست مجرد قصة تُروى، بل تجربة يعيشها كل من يشاهدها، تترك أثرًا في النفس، وتجعلنا نتساءل عن قراراتنا، عن خياراتنا، وعن تلك اللحظة التي قد تحدد مصيرنا إلى الأبد.

الناقد السينمائي شربل الغاوي.

Leave a comment